الحافظ محاضرا في دار الندوة

عن الانتخابات النصفية الامريكية وتداعياتها

 

بدعوة من "دار الندوة"، القى الدكتور زياد الحافظ الباحث والمحلل الاستراتيجي المقيم في الولايات الامريكية محاضرة عن "الانتخابات النصفية الامريكية واثارها على المنطقة"، وذلك بحضور عدد من المهتمين يتقدمهم ممثل رئيس الجمهورية الدكتور جورج ديب، رئيس مجلس ادارة دار الندوة منح الصلح، رئيس مركز دراسات الوحدة العربية د. خير الدين حسيب، الرئيس المؤسس للمنتدى القومي العربي معن بشور، امين سر نقابة الصحافة اللبنانية رئيس تحرير المؤشر عبد الكريم الخليل، عضو مجلس ادارة دار الندوة عماد شبارو، عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي اللبناني عبد فتوني، مدير دار الندوة جهاد الخطيب ورؤساء جمعيات وهيئات وروابط.

        قدم للحافظ باسم دار الندوة والمنتدى القومي العربي المحامي ابراهيم العبد الله، ثم القى الحافظ المحاضرة التالية:

 

        الانتخابات الأميركية النصفية أتت بنتائج ما زالت أوساط المراقبين و المحللين السياسيين منشغلة في تحليلها.  و الحدث ضخم بحد ذاته.  و لنعلم مدى حجم ما حصل علينا أن نستدعي نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة حيث أعيد انتخاب بوش الابن بأكثرية ثلاث ملايين و نصف تقريبا من أصوات الناخبين و هو رقم قياسي بحد ذاته.  و اعتبر بوش آنذاك أن الانتخابات كانت تصديقا على برنامجه السياسي الداخلي و الخارجي و بالتالي حائزا على تكليف من الناخبين لتحقيقه.  و لكن بعد مرور سنتين على ذلك الانتخاب أتت الانتخابات النصفية لتسحب ذلك التكليف من البيت الأبيض.  اعتبرت تلك الانتخابات بمثابة استفتاء على الرئيس بوش و سياساته و تقييم لأداء الحزب الجمهوري الحاكم. فكانت النتيجة صفعة مدوية للرئيس و حزبه.  و إذا كان السؤال لماذا سهل الإجابة عليه فإن السؤال ماذا بعد هو في منتهى الصعوبة.  لذلك سأستعرض أولا بشكل سريع أسباب هزيمة الجمهوريين في الكونغرس الأميركي و من ثمة سأحاول تحليل تداعيات الحدث وفقا للمعلومات المتوفرة و التحاليل التي تحظى بشيء من الإجماع.

 

        فكما أشرت في معرض المداخلة الحدث كبير بسبب حجم الهزيمة التي مني بها الحزب الحاكم.  و أركّز في هذه المداخلة أن الحدث هو أكثر بمثابة هزيمة للحزب الحاكم من أنه نصر للمعارضة أو الحزب الديمقراطي.  فالانتخابات كانت اقتصاصا بامتياز من الحزب الحاكم و ليست تكليفا للحزب الديمقراطي.  فالأخير استفاد من إخفاقات الجمهوريين و غطرستهم و الاستهتار بالرأي العام رغم السيطرة المفرطة للخط المحافظ و الصهيوني للإعلام الأميركي المؤيد لسياسات البيت الأبيض.  فالانتخابات هي أيضا هزيمة لذلك الإعلام الذي كان أداة فاعلة لترويج سياسات و أكاذيب البيت الأبيض.  على كل حال الهزيمة لكل من بوش و الحزب الجمهوري كانت متوقعة وفقا لاستطلاعات الرأي التي سبقت العملية الانتخابية و رغم ذلك فإن الصدمة في الولايات المتحدة و عند حلفائها في العالم-أي أوروبا و إسرائيل- كبيرة.  و لقد أفادت استطلاعات الرأي عند خروج الناخبين من غرفة الاقتراع أن الدوافع الرئيسية التي حكمت خيارات الناخب الأميركي كانت بشكل عام متوازية.  هذه الاستطلاعات أوضحت أن قضية الأخلاق و الفساد المتفشي بين نخب و قيادات الحزب الجمهوري كانت عاملا أساسيا حيث احتلّت المرتبة الأولى و حصلت على 42 بالمائة من أصوات الناخبين.  أما الدافع الثاني فكانت عملية الإرهاب و حصلت على 40 بالمائة من أصوات الناخبين.  أما الأداء الاقتصادي و عدم الاستقرار المستقبلي فكان بالمرتبة الثالثة و حصل على 39 بالمائة من الأصوات و أخيرا العراق الذي حصل على 37 بالمائة.  تقارب نسب الأصوات لا يعني بالضرورة حتمية التراتبية في الأولويات بل تعني أن القضايا التي كان يعتبرها الحزب الحاكم أساسية و محور برنامجه السياسي هي التي تمّ الحكم على إنجازها أو أداءها.

        فالحزب الجمهوري يعتبر نفسه حزب القيم الأخلاقية و العائلية و جرت الانتخابات في عدد كبير من الدوائر المحافظة على أساس المحافظة على القيم العائلية و مناهضة الزواج المثلي الذي يدعمه الحزب الديمقراطي أو على الأقل الذي لا يعارضه.  و إذ تأتي أنباء تورّط بعض القيادات الجمهورية بفضائح أخلاقية كالنائب مارك فولي من فلوريدا الذي ضبط في مراسلات إلكترونية مع بعض الشبان العاملين في الكونغرس في دورات تدريبية!   و الجدير بالذكر أن الفضيحة بحد ذاتها مربكة إلاّ أن الفضيحة الأكبر كانت في علم قيادات الحزب الجمهوري في الكونغرس و خاصة رئيس المجلس دنيس هاسترت و السكوت عنها لأكثر من سنة بعد إعلامه بتلك الفضيحة.  و تأتي تلك الفضيحة كحلقة أخيرة في مسلسل فضائح أخلاقية و مالية أذكر منها فضيحة توم ديلاي الرئيس الأسبق للأكثرية الجمهورية في مجلس الممثلين و الذي اضطر إلى الاستقالة وعدم ترشيح نفسه للانتخابات و قضية جاك أبرافموف الناشط الوسيط (lobbyist) و المقرّب من البيت الأبيض و الدوائر الصهيونية و الذي ضبط في قضايا رشاوى مع نواب جمهوريين.  هذه الفضائح التي ذكرتها على سبيل المثال و ليس الحصر كانت في صميم الدوافع الانتخابية عند المقترعين و حتى عند الجمهوريين.  فالدوائر التي كانت معتبرة حصنا أو معقلا للجمهوريين انتقلت للديمقراطيين بسبب تلك الفضائح.  و هنا لا بد لي من الإشارة إلى فضيحة أخرى عرّت الإدارة الأميركية من كل إدعاء بالكفاءة و النزاهة و هي قضية تداعيات إعصار "كاترينا" في أيلول 2005.  فاللامبالاة و عدم الكفاءة في معالجة تداعيات الإعصار على مدينة نيو أورلينز و المناطق المحيطة بها في جنوب الولايات المتحدة رافقتها أيضا فضائح اختلاسات و تلاعب بالمساعدات المالية و برامج إعادة الإعمار.  فالانطباع الذي ساد آنذاك عند أغلبية الناخبين و استمرّت حتى الانتخابات النصفية هو أن الإدارة الحالية و الحزب الحاكم عاجزين عن معالجة أية قضية خارجية أو حتى داخلية حتى لو أرادوا ذلك.  فهنالك شكوك بعنصرية الإدارة و الحزب الحاكم تجاه الأقليّة السوداء التي تشكّل الأكثرية السكانية في المنطقة المنكوبة.

        أما القضية الثانية التي كانت على بال الناخبين فهي قضية الإرهاب.  و الرئيس بوش جعل من مكافحة الإرهاب الحجر الزاوية لرئاسته.  لكن الناخب الأميركي بشكل عام اعتبر أن سياسات بوش لم تؤد إلى تحسين الحماية من الإرهاب بل على العكس تماما.  وهنا إدانة صريحة لسياسات بوش في العراق التي زادت من خطر الإرهاب على أميركا و مواطنيها رافضة بالتالي ادعاءات البيت الأبيض من أسباب للحرب و عن "التقدّم" في المسار.  هذا ما كشفت عنه استطلاعات الرأي العام التي أخذت بعين الاعتبار التقارير الصادرة عن عدد من الخبراء و التي أوضحت تزايد الخطر الإرهابي بعد أحداث سبتمبر 2001 و رغم الحملات و الغزوات العسكرية على كل من أفغانستان و العراق.

أما القضية الثالثة فهي قضية الاقتصاد.  و المفارقة هنا تكمن في أداء الاقتصاد الأميركي الذي شهد نموا قياسيا في الربع الأول و جيدا في الربع الثاني.  لكن ليس هناك من شعور بالاطمئنان حول المستقبل.  فعلى ما يبدو لم يتقبل الناخب الأميركي ادعاءات البيت الأبيض بصوابية سياسته الاقتصادية و تخفيض الضرائب.  فتفاقم الدين العام أصبح هاجسا عند الناخب الأميركي رافضا بالتالي مقولة نائب الرئيس ديك شيني الشهيرة بأن العجوزات –جمع عجز- لم تعد مهمة (deficits do not matter anymore).

و أخيرا تأتي القضية الرابعة و هي في منتهى الأهمية.  نادرا ما تكون القضايا الخارجية هاجسا عند الناخب الأميركي في الانتخابات النصفية.  فهو تاريخيا منشد إلى القضايا الداخلية التي تتعلق بمعيشته و رفاهيته.  لكن هذه السنة كانت القضية الخارجية على بال الناخب.  و القضية الخارجية هنا هي المأزق الأميركي في العراق.  لقد سئم على ما يبدو الناخب الأميركي من الأكاذيب و التلفيقات الصادرة عن البيت الأبيض.  فتزايد الخسارة البشرية من قتلى و جرحى بين صفوف الأميركيين و كلفة الحرب يقابلها ضحالة في النتائج أجبرت الناخب الأميركي على إعادة النظر في ثقته بالقيادة السياسية للبلاد.  لقد أشرت في مناسبة سابقة أن كلفة الحرب على العراق قد تصل إلى أكثر من ألفي مليار دولار أميركي وفقا لتقديرات جوزيف ستيغلتز الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل و كبير الاقتصاديين سابقا في كل من البنك الدولي و مجلس مستشارين الرئيس كلنتون.  ألاّ أن ستيغلتز عاد بتقرير آخر الأسبوع الماضي موضحا أن تقديره الأولي لكلفة الحرب على العراق –بين كلفة مباشرة و غير مباشرة- أقلّ بكثير مما يتوقعه.  يعتقد ستيغلتز أن الكلفة قد تصل إلى عشرة آلاف مليار دولار.  هذه أرقام مذهلة و إن كان هناك من يطعن في دقتها إلاّ أنها تعطي فكرة عن مدى تعاظم الكلفة و الريبة منها عند الناخب الأميركي.  و هناك أيضا تأثير التقرير المثير عن عدد الضحايا العراقيين الذي أعدته مجلة "لانست" البريطانية و المحترمة جدا في الأوساط الطبية.  ورد في ذلك التقرير أن عدد الضحايا في العراق قد تجاوز 660 ألفا.  أثار التقرير الذي نشر منذ شهر تقريبا الريبة و الاشمئزاز في الولايات المتحدة و شهدت معظم وسائل الإعلام سجالات عديدة بين مؤيد و معارض لأرقام التقرير إلاّ أن المهم هنا هو إدخال حجم المأساة العراقية في الوعي الأميركي.   كل تلك الأمور ساهمت بشكل مباشر في هزيمة الحزب الحاكم.

هذا على صعيد الأسباب.  فماذا عن النتائج؟

النتيجة الأولى و المباشرة لهزيمة الجمهوريين في الانتخابات النصفية هي سيطرة الديمقراطيين على كل من مجلس الشيوخ و مجلس الممثلين.  هذه بديهية قد تكون لها أهميتها الكبرى كما قد تكون مسألة عابرة بسبب ضحالة القيادة الديمقراطية و عجزهم عن عرض برنامج سياسي و اقتصادي متكامل.  فحتى الآن ما زال الديمقراطيون في مرحلة رد الفعل على مبادرات الرئيس بوش و الحزب الجمهوري و لم يعرضوا حتى الآن برنامجا بديلا.  سوف أتكلم عن ذلك لاحقا.  وهناك ملاحظة أخرى و هامة  و هي أن نسبة الفوز في كل دائرة تفوّق بها المرشّح الديمقراطي على خصمه الجمهوري لم تكن بفارق كبير مما يؤكد الانقسام العامودي داخل المجتمع الأميركي و الذي قد تنقلب الأكثرية في أية لحظة ممكنة من موقع إلى آخر باستثناء في القواعد الصلبة لكل من الحزبين.

النتيجة الثانية هي "استقالة" رمسفيلد من وزارة الدفاع.  و لا بد هنا من التوقف عند أبعاد تلك الاستقالة.  المعروف أن رمسفيلد هو المهندس للحرب على العراق.  و ليس في خانة المحافظين الجدد بل في خانة "الوطنيين المتشددين" أسوة بنائب الرئيس ديك شينيي.  و المعروف أن رمسفيلد كان العرّاب في عهد رونالد ريغان لديك شيني و هو الذي أوصى بوش الأب باتخاذه كوزير للدفاع.  في الإدارة الحالية كان شيني عرّاب رمسفيلد.  من هنا يمكن توجيه الأنظار إلى ديك شيني عشية "استقالة" رمسفيلد.  سارع بوش في نفي أي خبر عن احتمال استقالة شيني و أكدّ على بقاء الأخير حتى نهاية الولاية.  قد تتوقف الأمور عند هذا الحد و لكن إذا ما تمّ كشف الفضائح العسكرية و المالية في العراق و خاصة تلك التي تتعلق بإعادة إعمار العراق عندئذ لكل حادث حديث.  قد تكون "استقالة" رمسفيلد بداية المسلسل و قد تكون آخر المطاف.  في هذا السياق أشير إلى عدم موافقة الكونغرس المؤكدة لتجديد مهمة جون بولتون كسفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة.  عند إعداد هذه المداخلة علمت أنه تمّ أو سيتّم سحب ترشيح بولتون للمنصب.  و بالتالي يعتبر بولتون "ضحية" الحرب على العراق في الكونغرس الجديد!

من جهة أخرى إن إزاحة رمسفيلد من البنتاغون كان بموافقة القيادات العسكرية بل حتى بتشجيع منها.  لقد أصدرت الصحف العسكرية التابعة للقوات المسلحة خلال الأيام التي سبقت عملية الاقتراع الطلب بتغيير رمسفيلد من وزارة الدفاع و ذلك بعد سلسلة من المواقف لعدد من العسكريين المتقاعدين في وسائل الإعلام الأميركية و التي تمّت بمباركة و موافقة القادة العسكريين في الخدمة.  و الجدير بالذكر أن تلك القيادات هي التي سرّبت إلى وسائل الإعلام فضائح سجن أبو غريب في العراق المحتلّ مما يدّل أن الخلاف مع سياسات القيادة المدنية للبنتاغون مزمن.  كما أن التنافس بل الخلاف مع وزارة الخارجية أدى إلى خروج كولين باول في نهاية الولاية الأولى لبوش و المجيء بكوندوليزا رايس.  و على ما يبدو "انتصرت" رايس في حربها مع رمسفيلد.

و هنا تأتي النتيجة الثالثة للانتخابات.  إن تسمية روبرت غيتس (Robert Gates) لتولّي منصب وزير الدفاع تأتي في سياق الصراع بين الخارجية و الدفاع من جهة و في سياق ضرورة إجراء تغيير ما في قيادة الحرب في العراق.  إن روبرت غيتس ابن المؤسسة الأمنية.  فهو أمضى أكثر من 27 سنة  في وكالة المخابرات المركزية و هو الابن الروحي لوليام كاسي (William Casey) مدير الوكالة في عهد ريغان.  كان غيتس من أبطال فضيحة "إيران-كونترا" و لكن لم يستطع المحقق الخاص آنذاك لورانس والش (Lawrence Walsh) أن يدين غيتس علما أنه كان متورطا في تلك العملية.  و من سخرية الدهر أن أليوت آبرامز (Elliot Abrams) مساعد المستشار الأمن القومي ستيفن هادلي (Stephen Hadley) أدين بتهمة الكذب أمام الكونغرس في قضية "إيران-كونترا" و تمّ العفو عنه في آخر أيام رئاسة بوش الأب و هو الآن المسؤول في المجلس الأمن القومي عن الشرق الأوسط!  و المعروف عن غيتس أنه من "سيّس" المعلومة الاستخبارية  لدعم التوجّه السياسي للقيادة السياسي.  و المعلوم أيضا أنه عندما تمّ تثبيته في منصب مدير الوكالة المركزية عام 1991 اعترض معظم المسؤولين الاستخباريين في الوكالة لانحراف غيتس عن أصول العمل الاستخباري!  و يأتي اليوم ليحلّ مكان من أنشأ مكتب المعلومات الخاص (Office of Special Information) أو مكتب "التضليل" الإعلامي الذي كانت مهمته الحرب النفسية و التضليل الإعلامي سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها!  فهل هناك من سيترحّم على رمسفيلد؟  المهم هنا هو أن العلاقة بين غيتس و رايس وثيقة جدا و خلافا لما يشاع فإن العلاقة بينة و بين "العاقل" جيمس باكر رئيس اللجنة المشتركة مع لي هاملتون و المكلفة بالبحث عن حلول و توصيات للخروج من المأزق العراقي ليست بالمستوى الذي يفرض الولاء لباكر.  فإذا كانت هناك قضية "ولاء" فإن ولاء غيتس سيكون لرايس ليس إلاّ.  كانت رايس تستشير دائما غيتس في قضايا المخابرات المركزية عندما كانت المستشارة للمجلس الأمن القومي الأميركي.  و بالتالي هناك قناعة أن الذي سيقود السياسة الخارجية بما فيه الملفّ العراقي هو كوندوليزا رايس وولائها معروف للرئيس بوش و إن كانت مقرّبة من برنت سكوكرفت (Brent Scowcroft) المستشار الأسبق لمجلس الأمن القومي.  فالحديث عن عودة "العقلاء" و "الحكّام" إلى قيادة السياسة الخارجية قد يكون شيئا من المبالغة على الأقل عند إعداد هذه المداخلة.  فالمعلومات المتوفرة تشير بأن ليس هناك من دليل عن تغيير جذري في الموقف الأميركي في العراق.  أما الحديث عن أفكار و توصيات بما فيها "ضرورة إشراك إيران و سوريا" فالشيطان يكمن في التفاصيل و حتى معرفة شروط تلك المشاركة فإنه من المبالغ البناء و الاسترسال في إمكانية تغيير جذري في سياسة البيت الأبيض تجاه الملفّ العراقي.  فما زال خطاب بوش متشددا و إن أجرى بعض التعديلات في الألفاظ و هو رمى الكرة في ملعب الديمقراطيين و هو بانتظار "أفكارهم" في ذلك الموضوع.

النتيجة الرابعة هو أفول نجم المحافظين الجدد في تحديد مسار السياسة الخارجية.  صحيح أنه ما زالت بعض الرموز تعمل داخل الإدارة كأليوت آبرامز و لكن بشكل عام يمكن القول أن نفوذ المحافظين قد تراجع إلى حد كبير.  و يتجلّى ذلك في المقابلة الشهيرة في مجلة "فانتي فير" (Vanity Fair) الواسعة الانتشار حيث انتقد أبرز رموز المحافظين الجدد الرئيس بوش شخصيا و سياساته التي "أفشلت" التوجهات السليمة التي كانت لديهم في تغيير وجه العالم و أن الرئيس بوش افتقر إلى الجأش و المثابرة و حشد الإمكانيات العسكرية اللازمة لتحقيق النصر في العراق.  صحيح أن المقابلة سبقت الانتخابات بأسبوع و لكنها تلازمت مع توجهات الناخب الأميركي في رفض الفشل في العراق و ضرورة إجراء تغيير ما.

قبل الانتقال إلى معالجة التوقعات الممكنة بعد الانتخابات أتوقف بعض الشيء على أجندة الديمقراطيين المعلنة و تداعياتها على الساحة الداخلية و الخارجية.  الملفت للنظر أن الديمقراطيين خاضوا المعركة الانتخابية دون تحديد برنامج متكامل.  اعتبرت قيادات الحزب الديمقراطي أن أخطاء الجمهوريين كافية لصون فوزهم و بالتالي لا داعي للالتزام بأي شيء محدد طالما كانوا خارج البيت الأبيض.  و قد حاول الجمهوريون استدراج الديمقراطيين على تقديم أفكار فيما يتعلق بالملف العراقي.  اكتفى الديمقراطيون بالقول أن الحالة لا يمكنها أن تستمرّ على ما هي عليه.   و ليس حتى الآن من تصوّر متكامل حول الموضوع.  الجدير بالذكر أن القاعدة الشعبية للديمقراطيين رافضة للحرب على العراق و تريد الخروج بأسرع وقت ممكن دون قيد أو شرط.  و هذه القاعدة كانت مشاركة في المسيرات ضد الحرب قبل وقوعها و لكن قيادات الحزب ونخبها المسيطرة وافقت على الحرب و ما زالت ملتزمة بها طالما أن الخروج من العراق قد يكون "كارثة" محققة للولايات المتحدة علما أن الاستمرار في العراق هو كارثة مؤجلة فقط!            أما القضايا الداخلية التي ستعالجها القيادات الديمقراطية في مجلس الشيوخ و مجلس الممثلين فهي قضايا معيشية كرفع الحد الأدنى من الأجور و دعم الأبحاث في الخلايا الجذعية (stem cell research) لمعالجة بعض الأمراض كمرض "باركنسون" .  في مطلق الأحوال ليس للديمقراطيين أجندة لتغيير وجه المجتمع الأميركي كما أن هناك خلافات عميقة حول القضايا الاقتصادية و الحماية الجمركية التي تحافظ على الوظائف.  لقد مال الحزب الديمقراطي في عهد كلنتون إلى ما يسمّى بالوسط حيث توافق مع أطروحات الحزب الجمهوري في قضايا التجارة الخارجية و تصدير الوظائف القليلة القيمة المضافة إلى الدول النامية.  قد يتغيّر كل ذلك في تحضير الانتخابات الرئاسية عام 2008 و يتوقع أن يتفاقم النزاع بين القاعدة الشعبية للحزب و نخبه.

أما فيما يتعلق بالتوقعات الممكنة للكونغرس الجديد فهي عديدة.  أول التوقعات هو فتح ملفّ الفضائح في العراق.  على ما يبدو سيسعى الديمقراطيون إلى استدعاء المفتش العام للقوات المسلحة إلى جلسات استماع أولا قد تليها لجان استقصاء للحقائق و من ثمة التحقيق في الأداء العسكري و السياسي و المالي.  المعلومات المتوفرة تفيد أن عدد و حجم القضايا تكفي لمحاكمة و إدانة القيادات السياسية لانتهاكها أحكام الدستور الأميركي و القوانين.  و بالتالي قد تحصل القيادات الديمقراطية عل مثيل قرارات 1559 و 1643 و 1701 كسيوف مسلّطة على رأس بوش و أعوانه.

التوقع الثاني هو سيطرة القيادات اليهودية للديمقراطيين على معظم اللجان في الكونغرس و خاصة لجان العلاقات الخارجية و الدفاع.  و بالتالي ليس من الممكن توقع "إنفراجات" داخل الكونغرس تجاه القضايا العربية.  و الفرق بين الجمهوريين و الديمقراطيين كالفرق بين حزب العمل و حزب الليكود داخل الكيان الصهيوني!  أما على صعيد آخر فقيادة الديمقراطيين في مجلس الممثلين قد تعود إلى جون مورثا الذي كان أكثر الديمقراطيين وضوحا حول ضرورة الانسحاب من العراق.  و إذا ما تمّ تكليفه بزعامة الأكثرية الديمقراطية فهو سيخلف نانسي بيلوزي (Nancy Pelosi) المرشحة لأن تصبح أول امرأة لرئاسة المجلس.  و الجدير بالذكر أن رئيس مجلس الممثلين و في هذه الحالة نانسي بيلوزي تصبح حكما في المرتبة الثالثة لتوّلي مهام الرئاسة في حال شغور المنصب و عدم إمكانية نائب الرئيس من القيام بالمهمة.  الاحتمالات ضئيلة و لكن من يعلم ماذا سيحدث إذا تمّت محاكمة و إدانة كلّ من بوش و شيني؟

التوقع الثالث الذي تتدواله وسائل الإعلام الأميركية هو المراجعات التي تقوم بها الآن القيادات العسكرية للملف العراقي.  فهناك من سرّب الوصول إلى توصية بزيادة عدد القوات في العراق لتأمين "النصر" على المقاومة.  فإذا كان ذلك صحيحا فهذا يعني هزيمة عقيدة رمسفيلد العسكرية المستندة إلى قدرة عسكرية متطورة جدا تكنولوجيا ولكن بأعداد قليلة من الجنود و خلافا لعقيدة باول التي تستند إلى القوة القصوى و ليست فقط القدرة النارية و التكنولوجية.  و آخر المعلومات المتوفرة تفيد أن كل من الشيخ الجمهوري جون ماكين (John McCain) و الشيخ "المستقل" أو "الديمقراطي" جوزيف ليبرمان يدعوان إلى إرسال المزيد من القوات إلى العراق!  في مطلق الأحوال إذا ما تمّ تبنّي تلك المراجعة فهذا يعني أن الكلام عن خروج سريع أو مبرمج من العراق كلام غير دقيق.  و لكن بالمقابل إذا استطاعت القاعدة الشعبية في الحزب الديمقراطي بالضغط على قياداته للخروج من العراق مهما كلّف الأمر فهذا يعني أن الأكثرية الديمقراطية قد تقطع التمويل على سياسات الدفاع كما هو مرسوم الآن كخطوة أولى للخروج.  و من هنا قد يبدأ التغيير.  فعلى القيادات الديمقراطية أن تحسم أمرها و تتجاوز الابتزاز و الإرهاب الفكري الذي يمارسه البيت الأبيض و حلفائه بالقول أن الخروج من العراق الآن و دون تحقيق "النصر" هو كارثة على الولايات المتحدة و بمثابة نصر للإرهاب على حد زعمهم.  و هناك من يشاطر ذلك الرأي داخل الحزب الديمقراطي من أمثال جون بيدين و هيلاري كلنتون و جوزيف ليبرمان.  بالمقابل هناك من يدعو إلى الخروج من العراق مهما كلّف الثمي من أمثال جون مورثا المقرب جدا من دوائر البنتاغون.

التوقع الرابع هو ما تناولته سابقا حول عودة "الحكماء" للسيطرة على مسار السياسة الخارجية الأميركية.  إن توصيات لجنة باكر و هاملتون ما زالت غير معلنة أو منشورة و ليس هناك من معلومات عنها إلاّ ما تمّ تسريبه إلى وسائل الإعلام إذا صحّت تلك التسريبات.  في هذا السياق هناك كلام عن دور محتمل لكل من إيران و سوريا.  و لكن ليس هناك من معلومات حول ملامح ذلك الدور.  طوني بلير رئيس الوزراء البريطاني حاول استباق الموقف و أعلن عن شروط للدور المنشود.  فهل تمّ ذلك بالتنسيق مع حليفه في البيت الأبيض كخطوة استباقية تعطي الانطباع بالليونة دون التسليم بأي شئ يذكر؟  المتابعون بدقة لمواقف الصادرة عن البيت الأبيض لم يروا حتى الآن ما يشجع على الاعتقاد بأن هناك رغبة جادة بالتغيير اللهم إذا ما تمّ تجاوز التغيير اللفظي.  هناك من يعتقد- و هؤلاء مقرّبون من قيادات ديمقراطية و من دوائر البنتاغون- أن بوش ما زال على موقفه و لا يريد التغيير و لا يهتم كثيرا برأي "العقلاء".  فهو يقوم بمهمة "إلهية" و ليس مكترثا بآراء الآخرين.  هناك بالمقابل من يعّول على عودة "الحكماء" حفاظا على تواجد الحزب الجمهوري و اسم عائلة بوش تمهيدا لتحضير جيبّ بوش الأخ الأصغر لمعركة الرئاسة و ذلك لعام 2012! المهمة الموكلة ل"لحكماء" هي "تنظيف" ما أوجدته المراهقة السياسية للمحافظين الجدد و رؤوسائهم في البيت الأبيض في الملّف العراقي.  و هناك تسليم عند "الحكماء" بأن الحرب انتهت بهزيمة للولايات المتحدة.  و المهمّ الآن هو تجنبّ أي حماقة جديدة كحرب محتملة على إيران أو سوريا.  و بالتالي لا بد من التفاوض مع إيران و سوريا.  لكن تلك المحاولات قد تفشّلها أي من عدة عناصر كالعنصر الكردي أو العنصر الإسرائيلي أو حتى جيش المهدي.  أضف إلى ذلك العنصر اللبناني و العنصر السوري أو حتى السعودي ناهيك عن نفوذ اللوبي الصهيوني الناشط جدا في الولايات المتحدة.  ليس هناك من ضمانة في استمرار تلك اللجنة أو حتى نجاحها طالما بوش الابن موجودا في البيت الأبيض. 

في مطلق الأحوال أننا نعيش مرحلة مد و جذر داخل الكونغرس الجديد الذي سيتولى مهامه في مطلع كانون الثاني 2007.  هناك آمال كثيرة معلقّة على الكونغرس الجديد خاصة من القاعدة الشعبية للحزب.  و لكن بالمقابل القيادات للحزب في موقع آخر.  كيف ستحسم الأمور؟ هذا ما سنراه في الأشهر القادمة. 

                                                          14/11/2006