الانتخابات الإيرانية
تناوب للأدوار والإستراتيجية واحدة

بقلم: محمود احمد الاحوازي


منذ تغيير نظام الحكم في إيران من الشاهنشاهي للجمهوري قبل ما يقارب الثمانية وعشرين عام، والعالم يتخبط في متابعته للتغييرات وللأحداث في إيران كما يتخبط المحللون السياسيون والخبراء بالشأن الإيراني هم أيضا في تحليلاتهم لسياسات إيران وأهدافها وطموحاتها ونياتها وخاصة في ما يخص سياسة أجنحة الحكم المختلفة التي تناوبت ومازالت تتناوب على السلطة في إيران وهي نفس الأجنحة والتيارات التي بدأت بناء الجمهورية الإسلامية ولم تزل هي نفسها التي تشارك في الحكم، مرة في السلطة ومرة في المعارضة ومرة ثالثة تعمل كلها بالمشاركة معا،  وكل هذه التغييرات تتم بعد انتخابات صورية.
وقسم المحللون وخاصة الإيرانيين منهم، قسم أجنحة الحكم الإيرانية الى يسار ويمين تارة ومتشدد وإصلاحي تارة أخرى وهي في الواقع ثلاثة تيارات تتناوب على السلطة بالتوافق الكامل على عمدة سياسات النظام الخارجية خاصة في مجالات سياسة التسلح والتدخل والتوسع والداخلية في مجال بناء دكتاتورية مذهبية يقمع فيها الجميع من أحزاب وإعلام وقوميات وأقليات مذهبية ومنع كل أنواع التجمعات المدنية وهذه السياسة سارت بشكل منهجي منذ بداية الثورة حتى الآن مع كل التغييرات التي حصلت في حكم الأجنحة من أبو الحسن بني صدر أول رئيس جمهور لإيران وخلال حكم رجائي وخامنئي ورفسنجاني وخاتمي والآن في عصر احمدي نجاد، حيث كانت كل التيارات في داخل السلطة تكمل سياسة بعضها وتسير على نفس النهج لكن بأسلوب مختلف يتناسب مع التغييرات الداخلية والخارجية المحيطة بالنظام.
وللوقوف على ما نقول نشير الى بعض النقاط الهامة في هذا المجال. الحرب العراقية الإيرانية بدأت والرئيس الإيراني وقتها كان أبو الحسن بني صدر الذي هرب الى فرنسا بالتزامن مع قمع مجاهدي خلق وخروجهم من الساحة و اغتيل رجائي الرئيس المنتخب بقمع كل المعارضين بعده بفترة وجاء للسلطة خامنئي رئيس للجمهورية بقوة القمع الذي تزامن مع الحرب وفترة الدفاع المقدس مثل ما سميت. ونفذ خامنئي سياسة أبو الحسن بني صدر في ما يخص إبعاد العرب الاحوازيين من الحدود العراقية وتم هذا بمنهجية تامة حسب خطة بني صدر.وأزيح في تلك الفترة نائب الخميني آية الله منتظري وانتخب خامنئي نائب له وهو ولي الفقيه الحالي الذي قاد البلاد مع مجموعة تيار اليسار في السلطة والذي كان على رأسهم محتشمي السفير السابق في سورية وخوينيها قائد الهجوم على السفارة الأمريكية في بداية الثورة والجلاد خلخالي وغيرهم من التيار الذي سمي وقتها بتيار المعادين للإمبريالية والذي حصل على مباركة معظم قوى اليسار الإيرانية المناصرة للإتحاد السوفيتي السابق وعلى رأسهم حزب التودة( حزب الشعب) وجناح الأكثرية لمنظمة فدائي الشعب الإيرانية. واستلم الرئاسة بعد خامنئي، استلمها على اكبر هاشمي رفسنجاني الذي قام بتنفيذ سياسته الاقتصادية المعروفة والذي كان عليه تنفيذ وصية الخميني المشهورة بإيقاف الحرب قبل ذلك وتطوير التسلح وخاصة الوصول الى السلاح النووي بعد ما كان شعارهم في زمن خامنئي ( جن? جن? تا ?یروزی ) حربا حربا حتی النصر وشعار ( راه قدس از کربلا می ?ذرد) طريق القدس يمر من كربلاء.
وبدأ رئاسته رفسنجاني بسياساته التقشفية التي حرم الشعوب في إيران فيها من الثروات التي صرفت معظمها لتطوير وإنتاج أسلحة الدمار الشامل وضاع ما تبقى منها لإرضاء قادة النظام الذين تجاوزت أعدادهم الآلاف واستمر هذا الوضع واستمرت هذه السياسة حتى جاء دور خاتمي واستلم السلطة عام 1996 والشعوب في إيران مستاءة كلها ومعها كل الطبقات والشرائح الاجتماعية من سياسة الانفتاح الاقتصادي التي قادها رفسنجاني بإلاضافة الى تحكيم السياسة الأيديولوجية والقبضة الحديدية في الداخل وحرمان الشباب والنساء من كل حقوقهم الإنسانية  والاجتماعية بعد القمع الواسع الذي تسبب لهروب أكثر من 5 ملايين من الشعوب في إيران الى الخارج في تلك الفترة.
وجاء خاتمي منقذا للجميع بشعاراته الليبرالية وتخفيف التسلط الديني والانفتاح على الغرب وصوت الناس هذه المرة له تصورا منهم انه الناجي الوحيد لكل ما يعاني منه المجتمع الإيراني بأسره خاصة وانه جاء بعد دكتاتورية دموية استمرت 17 عام كان من ضمنها قتل عام السجناء السياسيين عام 1989في عدة سجون راح ضحيتها أكثر من 12 ألف من السجناء السياسيين.
واستلم خاتمي الإصلاحي هذه المرة الرئاسة والى جانبه الأكثرية البرلمانية مما أعطاه الفرصة لأي تغيير في رأس الهرم لكنه بدل ان يفعل ذلك نسي شعاراته للانتخابات ولم يفعل منها إلا منح الشباب فرصة انتخاب تسريحة الشعر وانتخاب ألوان الملابس ومنح النساء من كل الشعارات فرصة نزع الشادر والاكتفاء بـ (المانتو) فقط والسماح لهن بالمشاركة في مسابقات ركوب الخيول والدراجات في حديقة ارم في طهران فقط. أما سياساته الأخرى في الداخل والخارج كانت تسير كالتالي: السياسة الخارجية بناها على شعار التسامح وحوار الحضارات وفي نفس الوقت كان يبني ترسانة إيران  العظيمة من الأسلحة وهو يبني كل مؤسسات تخصيب اليورانيوم والماء الثقيل وتطوير سلاح الصواريخ وخاصة اللوجستية منها وصنع الطائرات والدبابات وكل هذا سار في ضل سياسات هادئة شعاراتها كلها كانت تسير باتجاه التعاون الدولي يظاهرها، أما السياسة الداخلية فسارت باتجاه الاستمرار بالسياسة القمعية حيث كان في زمنه الاغتيالات المتسلسلة التي عرفت بـ ( قتلهاى زنجيره اى) وقتل الطلاب المحتجين في جامعة طهران، وسياسة التهجير للشعب العربي الأحوازي التي تسببت لانتفاضة 15 نيسان 2005 حيث قمعت الفوات الإيرانية التي هي تحت سلطة الرئيس خاتمي نفسه، قمعت الاحوازيين وكان نتيجة المجزرة تلك أكثر من 60 شهيد احوازي في يوم واحد واستمرار المذابح لعدة أيام أخرى. كل هذا تم في ضل سياسة التسامح وسياسة الحوار المتمدن وحوار الحضارات التي هتف بها خاتمي ومجموعته المعروفة بالإصلاحيين.
اليوم واحمدي نجاد ينتصر في انتخابات تناوبية في إيران، يرفض فيها النظام ترشيح أكثر من 110 من مندوبي البرلمان للدورة السابقة بسبب عدم صلاحيتهم!!! وهذا أمرا عجيبا حيث بعد ثمانية أعوام ترفض السلطة صلاحية ترشيح مندوب كان في البرلمان لدورتين متناوبتين،  مثل ما تم رفض صلاحية ترشيح مجموع التسعة أعضاء عرب في شورى بلدية مدينة الأحواز للدورة السابقة لنفس السبب و انتخب النظام مجموعة أخرى من أنصاره من الفرس وعربي واحد فقط.
لمن لم بتابع هذا التناوب المدروس  والمتفق عليه على السلطة حتى الآن عليه ان يتوجه لانتخاب احمدي نجاد الذي لم يحتمل انتخابه حتى 5% من مجموع المتابعين لجريان الانتخابات الرئاسية عام 2005، ولكيفية قبول رفسنجاني في الانتخابات الأخيرة على رأس الفائزين لمجموعة رجال الدين المسئولين عن انتخاب ولي الفقيه ومراقبة أعماله في الوقت الذي فشل فيه رفسنجاني نفسه في آخر انتخابات شارك فيها في طهران في الدورة الأولى وكانت الآراء التي حصل عليها اقل من كثير من الخاسرين أيضا.
اليوم احمدي نجاد يتحدى العالم بقوة السلاح والتطور في صناعة الذرة الذي بناه خاتمي قبله وخاتمي جاء للسلطة لتهدئة الأوضاع بعد فترة شعارات ثورية مخيفة إقليميا ودوليا وقبله رفسنجاني جاء للسلطة لينفذ سياسة إيقاف الحرب والبدء بالخطة الاقتصادية المعروفة له لتأمين ما يحتاج خلفه الرؤساء مثل ما جاء خامنئي ومعه مجموعة اليسار في السلطة وعلى رأسهم خلخالي ومحتشمي الذين سيروا النظام بقوة القمع.
وخلال كل هذه الأعوام الثمانية وعشرين التي سار فيها قادة الحكم في إيران على نفس نهج السلطة الشاهنشاهية إقليميا وداخليا، لم يتمكن معظم المحللين السياسيين والمتابعين والمتخصصين بالشأن الإيراني من فهم الإستراتيجية الإيرانية المتبعة والثابتة في برنامجها السياسي والعسكري وأهدافها في امتلاك التكنولوجية النووية، لا بل وحتى مراكز الدراسات الدولية المعروفة ومنها المؤسسات الرسمية والحكومية الأمريكية التي كانت تتابع الأمر عن كتب كانت غافلة عن معرفة وأهمية هذا التبادل في الأدوار وعن الخطط السياسية خلف هذا التناوب في الحكم في إيران حيث كانت تشجع سياسة خاتمي دون ان تعرف ما كان يتابع في سياساته لتطوير أسلحة الدمار الشامل وتخصيب اليورانيوم وبناء مصانع الماء الثقيل.
وإذا خانتنا التحليلات وخاننا المحللون حتى الآن عن معرفة حقيقة الحكم في إيران، إحداث السنوات الأخيرة وما خرج من جعبة إيران السرية من تطور في صنع أسلحة الدمار الشامل وتطوير للصناعات النووية وسياسات التدخل والتوسع والتخريب في البلدان العربية والإقليمية وسياسة التحدي التي انتخب لها هذه المرة احد أعضاء حرس النظام الثوري، أثبتت فشل كل السياسات التي بنيت على أساس تحليلات خاطئة سارت عليها سياسات كافة الدول المتضررة من السياسة الإيرانية إقليميا ودوليا اليوم بالإضافة الى الشعوب والشرائح المختلفة للمجتمع الإيراني. اليوم ثبت ان إيران الجمهورية هي إيران الشاهنشاهية باستراتيجيتها السياسية الإقليمية وان اختلفت في علاقاتها مع أمريكا والغرب وان التيارات المختلفة في الحكم في إيران اليوم ليس إلا أجنحة متخصصة في فترات حكم بعينها يلعب كل منها دوره في الفترة المنتخبة سياسيا وهذا ما جمع بين كل القادة والتيارات منذ بداية الثورة للعمل معا.
العالم اليوم اكتشف بعد ثلاثة أعوام ونصف من  تدخلات إيران المفضوحة في العراق والتي كشفت عن استراتيجية إيران وعن سياساتها التوسعية في المنطقة وتهديدها للأمن والسلم في الشرق الأوسط وخاصة في العالم العربي من بوابته الشيعية خاصة ونافذته الإسلامية عامة وبعد تدخلات إيران في كل صغيرة كبيرة في كثير من الدول الإقليمية واكتشاف تدخلات إيران في البحرين واليمن والعراق ولبنان وتفجيرات الخبر وسورية والتجسس على مصر خلال هذا الأسبوع واعتقال جواسيسه في جمهورية أذربيجان وبريطانيا واسكاندينافيا، اكتشف العالم  كثير من خيوط استراتيجية الإيرانيون الثابتة في المنطقة حيث سهلت هذه الأحداث وخاصة تدخلات إيران في العراق ولبنان في الأعوام الأخيرة واكتشاف سعيه للحصول على القنبلة النووية، سهلت علينا  معرفة سياسة التناوب على السلطة هذه  وصلنا الى رؤية متكاملة مفادها ان كل هذه السياسات التي تم تنفيذها  خلال الخمسين عام الماضية وخاصة بعد انسحاب القوات البريطانية من الخليج العربي في بداية السبعينيات من القرن الماضي, تكشف لنا حقيقة مهمة وهي ان السياسة الإيرانية لم تختلف إقليميا ودوليا في استراتيجيتها المتبعة خلال هذه الفترة ولا حتى تختلف بين تيار وتيار في الجمهورية الحالية.
على ضوء ما جاء، علينا نحن العرب أولا وعلى العالم كله ثانيا ان يعي الخطر الإيراني لاستقرار المنطقة وللصلح والسلام الدوليين وان يتقبل ان العقلية الإيرانية لم تتغير في سياساتها الإقليمية وحتى الداخلية بتغيير سلطتها ولا بتغيير تياراتها الحاكمة واهم شاهد لنا في هذا الخصوص، هو ان السلطات الجمهورية الحالية هي التي استمرت ببناء مفاعل بوشهر النووي المشرف على الخليج العربي الذي اتخذت السلطة الشاهنشاهية وهي المستمرة باحتلال الأحواز وقمع شعبها العربي و مستمرة باحتلال الجزر العربية الثلاث وترفض التحكيم الدولي حولها وهي التي تتدخل بالبحرين التي حاول شاه إيران احتلالها وهي التي تحتل جزءا كبيرا من العراق  وتتدخل في شؤون دول عربية عدة من التخريب في الخبر في المملكة العربية السعودية الى التعاون مع مجموعة ألهوتي في اليمن حتى التجسس على بعض البلدان العربية وبالنهاية كشفت الأيام السياسة الإيرانية وخطرها على المنطقة العربية حيث يستوجب ذلك على الجميع الوقوف بوجه هذا المارد من اجل أبعاد  الخطر الداهم الذي لا يبعده عن بعض الدول العربية إلا عشرات من الكيلومترات خاصة وان تدخلات إيران البشرية أصبحت تهدد استقرار كثير من دول المنطقة قبل أي تدخل عسكري مباشر مثل ما حدث في دول عربية أخرى.


 m.ahmad2004@hotmail.com
23.12.2006