الفصل الثاني: التصوّرات المستقبليّة للقضيّة الأحوازيّة

 

المبحث الثاني: التطلع إلى الحكم الذاتي

 

المبحث الأول: التوجّه نحو تطبيق الحق في تقرير المصير

 

·        القانون الدولي والحق في تقرير المصير

·        تطبيق حق تقرير المصير في الأحواز

 

 

 

الفصــل الثــانـي

التصوّرات المستقبليّة للقضـيّة الأحـوازيّة

 

 

المبحث الأوّل: التطلع إلى الحكم الذاتي

 

يعتبر مفهوم "الحكم الذاتي" أحد المفاهيم التي ارتبطت ببدء مرحلة تصفية الإستعمار، خصوصاً في النصف الثاني من الأربعينات والنصف الأول من الخمسينات "1945 إلى 1955". لذلك  فإن هذا المفهوم لم يتم طرحه من قبل الحركة الوطنيّة الأحوازيّة قبل ذلك التاريخ فقد طرح في الأحواز لأول مرّة وبشكل واضح في سنة 1946 من قبل "حزب السعادة" فجوبه بالرفض والتسويف الإيراني مما زاد من حدّة الانتفاضات والثورات - وقد أشرنا إلى ذلك سابقاً – ثمّ تمّت المعاودة لمطلب الحكم الذاتي في سنة 1979، أي بعد انتصار الثورة الإيرانية، وقد بينّا سابقاً أن هذا المطلب حمله الزعيم الروحي لشعب الأحواز آنذاك، الشيخ "محمد الطاهر الخاقاني" إلى "الخميني".

 

وامتداداً لذلك، تضمّن ميثاق الأمم المتحدة - الذي أقرّ في العام 1945- إشارة واضحة إلى الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي وذلك في الفصل الحادي عشر، المادة 73، غير أن الجدل قد استمر حول هذا المفهوم الذي اعتمدته دول وشعوب وأقاليم كانت تخضع آنذاك للسيطرة الاستعمارية، فانتقل هذا الجدل إلى داخل أروقة الجمعيّة العامة للأمم المتحدة، ونتج عن ذلك وجود مجموعتين من الدول تبنّت كل منهما تصورّها الخاص لمفهوم الحكم الذاتي. ضمّت المجموعة الأولى بريطانيا وفرنسا وهولندا وبلجيكيا والولايات المتحدة الأمريكية، أما المجموعة الثانية فضمت مصر والهند وسلفادور وغواتيمالا والفيليبين وغيرها من الدول المستقلّة آنذاك والتي أصبحت تنتمي فيما بعد لما عرف بـ: "العالم الثالث"([1]).

 

     ورأت بلدان المجموعة الأولى أن مفهوم الحكم الذاتي يمكن أن يكون هدفاً للدول والشعوب والأقاليم المستعمرة، في حين رأت دول المجموعة الثانية أن هذا المفهوم غامض وغير واضح ولا يعبّر بصدق عن تطلعات الشعوب والأقاليم المستعمرة إلى الاستقلال السياسي الكامل وتقرير المصير.

 

     وإزاء اتساع دائرة النقاش والجدل بين هذه الدول، (أقدمت الجمعية العامة للأمم المتحدة على تشكيل لجنة في العام 1946 حملت اسم "اللجنة الخاصة لفحص المعلومات" المنقولة وفقاً للمادة 73 من الميثاق، وهي المعلومات الخاصة بالأقاليم ودراستها، واستمرت اللجنة تحمل هذا الاسم حتى 18/01/1952 إذ قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة تغيير اسم اللجنة - لأنه يعرقل انتشاره على نطاق واسع ويحول دون تعّرف الجمهور الواسع على أعمال هذه اللجنة، وهكذا حملت اللجنة منذ ذلك التاريخ، أي 18/01/1952، ووفقاً لقرار الجمعيّة العامة رقم 569 - أصبح الإسم الجديد "لجنة المعلومات المتعلقة بالأقاليم غير محكومة ذاتيا")([2]).

 

      وإذا ما توقفنا عند هذا الحد من مفهوم الحكم الذاتي، فإنه يستحيل تطبيقه على إقليم الأحواز، ذلك لأن الدولة الإيرانية ترفض إعطاء أية معلومات حول شعب وإقليم الأحواز وتتنكر لحقوق هذا الشعب، وتحاول جاهدة التعتيم الكامل على وجود شعب عربي في الإقليم.

 

 ولكن الحكم الذاتي حسب الرؤية المصرية والهندية، ينطبق تماماً على إقليم الأحواز، إذ ترى مصر (ان الأقاليم غير المحكومة ذاتياً هي تلك الأقاليم التي تسيطر عليها القوى الكبرى وتختلف شعوبها لغةً وثقافةً وعنصراً عن شعوب البلدان التي تسيطر عليها. أما الهند فترى أن هذه الأقاليم هي التي تدار شؤون سكانها واقتصادها من الخارج عن طريق دولة أخرى ولا توجد سلطات تنفيذية وتشريعية منتخبة تمثل مصالح سكانها)([3]).

 

وقد بيّننا في الباب الأول من دراستنا بأن شعب الأحواز يختلف عن شعب إيران بلغته وثقافته العربيتان، كما يختلف العنصر العربي السامي عن العنصر الفارسي الآري اختلافاً كلياً. وأشرنا في الباب الثاني من البحث إلى غياب السلطات التنفيذية والتشريعية المنتخبة من قبل شعب الأحواز، وإن جميع السلطات مختزلة في القومية الفارسية المهيمنة على سدّة الحكم في البلاد.

 

      إلا أن مفهوم الحكم الذاتي قد تغيّر بعض الشيء في الثاني من شهر ديسمبر سنة 1949 بتبنّي الجمعية العامة للأمم المتحدة قرار رقم 334 الخاص بدعوة "لجنة المعلومات المتعلقة بالأقاليم الغير محكومة ذاتياً" لدرس العناصر التي ينبغي أخذها في الاعتبار لتقرير ما إذا كان الإقليم متمتعاً بالحكم الذاتي أم لا، وما إذا كان سكانه يديرون شؤونهم بأنفسهم وذلك في ضوء المناقشات التي أعقبت خطاب الأمين العام لدول الأعضاء. وتجدّد الخلاف بين الدول مرة أخرى حول تعريف الأقاليم الغير محكومة ذاتياً وحول مفهوم الحكم الذاتي نفسه. وبعد المناقشة والتعديل تبنّت الجمعية العامة بقرارها رقم 742 بتاريخ 27/11/1953 قائمة العناصر التي تحدد ما إذا كان إقليم ما يتمتع بالحكم الذاتي أم لا يحظى بهذه الوضعية([4]).

 

وشملت العناصر التي تمّ تعديلها ثلاثة أجزاء هي:

 

    أولاً: فيما يتعلق بالحكم الذاتي الداخلي، ينبغي للإقليم أن يتمتع بالحرية التامة في اختيار شكل حكومته من دون تدخّل حكومات أخرى في شؤون الأقاليم، وينبغي أن يتمتع الإقليم بسلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية يتم تشكيلها وفقاً للطرق الديموقراطية، كما ينبغي أن يتمتع الإقليم بصلاحيّة مطلقة في إدارة شؤونه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية دون وصاية أي أطراف خارجية.

 

ثانياً: ما إذا كان الإقليم حصل على صيغة أخرى من الحكم الذاتي المنفصل كالاتحاد مع الدولة التي تدير الإقليم أو (دولة أخرى بشرط قبول الإقليم والسكان الحدّ الاختياري من السيادة)([5])، وممارسة حق الإختيار والتعبير الحرّ عن رأي سكان الإقليم في هذه الصيغة.

 

ومن هنا يتبيّن لنا غموض مفهوم الحكم الذاتي منذ بداية ظهوره في وثائق الأمم المتحدة، وقد جعلت المناقشة في هذا المفهوم وكأنه مرتبط إرتباطاً حيوياً بمفهوم الحق في تقرير المصير. وخلصت المناقشات التي دارت حوله إلى صعوبة تعريف جامع لمفهوم الحكم الذاتي الذي يصلح للتطبيق في كل الحالات والظروف، إذ أن وضعية كل إقليم تستدعي (دَرْس مفهوم الحكم الذاتي الذي يلائمه. وبالرغم من أن المفهوم ارتبط بوضعية الانتقال من الاستعمار إلى تصفية الاستعمار، لكن دلالته الأساسية تنصرف إلى الاستقلال وتحرير هذه الأقاليم من الوضعية الاستعمارية على رغم ما شاب النصوص والوثائق والمناقشات المتعلقة به من غموض وخلافات)([6]).

 

ونظراً للخلاف في مفهوم الحكم الذاتي وعدم الإجماع المطلق عليه وارتباطه الحيوي بحق تقرير المصير، فلا غرابة إذا ما وجدنا بعض التنظيمات السياسية الأحوازية تضع في برامجها، المطالبة بالاثنين أو درج المفهومين في آن واحد، "فحركة التجمع الوطني في الأحواز (عربستان)" مثلاً، قد أوردت "الحق في تقرير المصير" لشعب الأحواز ضمن صياغة برامجها السياسي، بينما أدرجت "الحكم الذاتي" في أهدافها.

 

ويعرّف الميثاق الأوربي مفهوم الحكم الذاتي المحلّي Autonomie Locale في مادته الثالثة بأنه: (قدرة الوحدات المحليّة والإقليميّة الفعليّة وحقها في تنظيم وإدارة جانب كبير من الشؤون العامة تحت مسؤولياتها ولصالح سكانها في إطار القانون)، وإن هذا الحق (يمارس عن طريق مجالس أو جمعيات مُشكّلة من أعضاء منتخبين في اقتراع حرّ وسرّي، ويتميّز بالمساواة سواء كان مباشراً أو عاماً، ولهذه الجمعيات والمجالس الحق في أن تمتلك أجهزة تنفيذية مسؤولة أمامها)([7]).

 

ويرى الكاتب "محمد عبد الحليم"، (بأن هذا المفهوم يرتبط بالسياق الأوربي التاريخي وما اتسم به من تعدد لغوي وثقافي في إطار التطلّع إلى الوحدة الأوربية، وان هذا التعريف يستلهم المنطلقات الأساسية للديمقراطية الأوربية في توسيع هامش المشاركة السياسية)([8]). وربما يختلف تطبيق التعريف الذي أورده الميثاق الأوربي للحكم الذاتي، من بلد أوروبي لآخر، بل من منطقة لأخرى في الدولة الواحدة، وفقاً لاعتبارات متفاوتة ومتنوعة تتعلق بحجم هذه المناطق وتميزها الثقافي واللغوي وحدودها الجغرافية وطبيعة الجماعات البشرية والإثنية التي تقطنها، وكذلك طبيعة أنشطتها الاقتصادية.

 

فمفهوم الحكم الذاتيAutonomy" " في اللغة الإنكليزية، نجده Autonomie"" في اللغة الفرنسية([9])، ويتداخل مع مصطلحات وتسميات أخرى تقترب منه أو تبتعد قليلاً من الناحية التطبيقية مثلاً "Self government"، و"Self administration Self rule,"، ويمكن ترجمتها إلى العربية على التوالي: "حكم ذاتي"، "حكومة ذاتية وإدارة ذاتية". ورغم التقاءهما تحت سقف واحد إلا أنهما لا علاقة لأي منهما بالسيادة، والتي تقتصر فقط على الدولة.

 

فمفاهيم كالسيادة والاستقلال والحق في تقرير المصير، تتعارض في مضامينها مع مفهوم الحكم الذاتي، لأنه يشكل مرحلة تسبق الحق في تقرير المصير. وقد تبنّى هذا الطرح في الأحواز "الحزب الوطني العربستاني" و"حركة التجمّع الوطني في الأحواز (عربستان)"، إذ ترى هذه التنظيمات أنه لا يمكن القفز على المراحل، وقبل الوصول إلى مرحلة تقرير المصير، يجب ان يتم بناء المؤسسات (مؤسسات الدولة أو السلطة) عن طريق تطبيق مفهوم الحكم الذاتي في الإقليم، وتأتي رؤية هذه التنظيمات انطلاقاً من مقتضيات المرحلة الحالية التي يمرّ بها شعب وإقليم الأحواز، وتتسم هذه المرحلة بالغياب الواضح للمؤسسات في الإقليم.

        

فمن ناحية يعتبر مفهوم الحكم الذاتي نسبياً، أي ترد عليه قيود ويحددّ له سقف قانوني وسياسي من قبل السلطة صاحبة السيادة أي الدولة عندما يتعلق الأمر بإقليم أو منطقة تريد الحصول على إدارة شئونها بنفسها، ومن ناحية أخرى فإن مفهوم الحكم الذاتي لا يشمل على الصلاحيات الكاملة التي يشملها مفهوما: الاستقلال والسيادة، (وكلاهما يرتبط بالدولة التي تمتلك القدرة على تنظيم الحكم الذاتي كجهاز سيطرة وردع  بينما لا تمتلك الوحدة المتمتعة بالحكم الذاتي قدرة الاستقلال بل هي تابعة)([10]).

 

وفي حين أن مفاهيم السيادة والاستقلال وحق تقرير المصير قد اكتسبت دلالات واضحة ومحددة في القانون الدولي المعاصر، سواء من حيث النظرية أو من حيث التطبيق من خلال التطور الذي لحق بالفقه القانوني الدولي، وتصاعد المد التحرري الوطني لعالم ما بعد الحرب العالمية الثانية وتغير تركيبة المجتمع الدولي، ظلّ مفهوم الحكم الذاتي يشير لواقع متفاوت ومختلف.

هنالك عدد من المفاهيم الأخرى التي تتداخل مع مفهوم الحكم الذاتي وكثيراً ما يتم الخلط بينها وبين هذا المفهوم، وهذه المفاهيم هي: مفهوم الاستقلال الثقافي الذاتي، والفيدرالية، واللامركزية الإدارية والإدارة الذاتية، والحكم المحلي، وتتداخل هذه المفاهيم وتترابط وتتشابك حسب إحتياجات وأبعاد المشكلات التي تطرحها لمعالجتها.

 

ومن خلال دراستنا لمسيرتها النضالية، لاحظنا أن الحركة الوطنية الأحوازية لم تطرح مبدأ الحكم الذاتي في برامجها طوال الخمسين عاماً من عهد البهلويين إلا مرّة واحدة، ولكن هذا المفهوم قد طُرح في الأحواز بعد انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، ولعلّ السبب يعود إلى الوعود التي قطعها الخميني لعرب الأحواز قبل تولّيه سدّة الحكم في إيران وأثناء تواجده في باريس، وتمثلت هذه الوعود بحصول عرب الأحواز على كافة الحقوق المدنية والحريات السياسية. إلا أنه وبعد تولي الخميني الحكم في إيران، ضرب هذه الوعود عرض الحائط ولم يلتزم بأي منها.

 

ومنذ ذلك التاريخ تبنت بعض القوى الوطنية الأحوازية هذا المفهوم من حيث المبدأ، وقد برّرت هذا المطلب أمام شعب الأحواز، بضرورة اللجوء إلى الحكم الذاتي كمرحلة انتقالية تفصل بين مرحلتي الاحتلال والاستقلال.

 

ويقول السيد "أحمد الأحوازي" – أحد مؤسسي "حركة الشباب العربي الأحوازي" وحركة التجمّع الوطني في الأحواز (عربستان)" – (أن الحركتين قد طرحتا مفهوم "الحكم الذاتي" في الاقليم لأنها تأسست أثناء فترة حرجة جدّاً من النضال وهي فترة الحرب الايرانية – العراقية (1980- 1988)، حيث أن السلطات الايرانية مارست أسلوب القتل والبطش للمناضلين الأحوازيين في تلك الفترة بسبب الضغوط الشديدة التي كانت تتعرّض لها في جبهات القتال الممتدة على طول أكثر من ألف كيلومتر مع العراق، لذا حاولنا التخفيف من حدّة اللهجة في مطالبنا المشروعة، كما أننا قد خيّرنا تسمية الحركة على الجبهة أو الحزب لأن كان مصير الجبهويين والحزبيين هو الإعدام المؤكد، وبالرغم من ذلك فأن عدد من عناصر الحركة قد تعرّضوا إلى الإعدام والسجن والمطاردة)*.

 

وفي الحديث عن مجال تطبيق الحكم الذاتي، يرى الباحث "د. سعد الدين إبراهيم" (إن الحكم الذاتي يطرح في إطار معالجة المشكلات القومية والإثنية في المجتمعات التي سمحت ظروفها التاريخية والاجتماعية والجغرافية، بوجود أقليات قوميّة أو اثنية احتفظت عبر التاريخ بخصائصها الثقافية وحالت ظروف شتّى دون اندماجها وصهرها في القومية السائدة بالطرق الديموقراطيّة)([11]). ولو افترضنا جدلاً أن عرب الأحواز يشكلون جزءاً من المجتمع الإيراني، وان الظروف الجغرافية قد فرضت عليهم ذلك، وإذ ما أرادت الدولة الإيرانية منح الحقوق للقوميات التي تسمّى بالإيرانية، فعلى الدولة الإيرانية أن تبدأ أولاً بتغيير اسمها من "إيران" إلى تسمية أخرى تتفق عليها جميع هذه القوميات، ذلك لأن إيران وطوال العصور القديمة كانت تسمى "بفارس" أو "بلاد فارس"، ولم تكن إيران على شكلها الحالي من حيث المساحة الجغرافية، وقد سُمّيت بإيران سنة 1936 نسبة إلى العرق "الآري" الذي ينحدر منه الفرس دون سواهم من أبناء القوميات الأخرى، وهي الآذرية التركيّة، والكرديّة والعربيّة والتركمانيّة والبلوشيّة والبختياريّة واللوريّة.

 

وإذا كان الحكم الذاتي يمنح للأقليّات التي تعرضّت تاريخياً لتمايز في الحقوق والمواطنة بسبب الطابع الغير الديموقراطي للحكم، فإن القوميّات الإيرانيّة تشكل الأغلبيّة من مجموع سكان إيران بنسبة 60% بالمقارنة مع القوميّة الفارسيّة التي تعتبر أقلية ونسبتها 40% من مجموع السكان. إلاّ أن جميع السلطات- التنفيذية والتشريعية والقضائية- مختزلة في الأقلية الفارسية في إيران، دون أن تحصل الأغلبية من القوميات على نصيبها في الحكم.

 

وفي إشارة إلى إطار معالجة المشكلات القوميّة والإثنيّة، كإحدى مجالات تطبيق الحكم الذاتي، يرى الكاتب "د. عبد العليم محمد"، (أنه لا ينبغي أن يفهم من ذلك أن جميع الأقليات تطالب بالحكم الذاتي، فذلك غير صحيح، فكثير منها يطالب بحق تقرير المصير أي حرية الأقليّات حتى تكوين دولة مستقلة أو البقاء في إطار الدولة القائمة في إطار اتحاد أو خلافة، ويتوقف الأمر على طبيعة مطالب هذه الأقليات وخصائصها القومية ودرجة وعيها وتنظيمها وظروفها التاريخية، والسياسية وطبيعة علاقاتها بالسلطة المركزية ودرجة تأثرها بالاضطهاد واللامساواة وتمتعها أو عدمه بكامل حقوق المواطنة ومشاركتها في السلطة ومستويات الأجهزة المركزية في الدولة التشريعية والتنفيذية بطريقة تتفق عليها مع قوتها التمثيلية والعددية)([12]).

 

  ومنذ سنة 1925 تعرّض شعب الأحواز إلى إضطهاد قومي حاد، وتمييز عنصري فريد من نوعه، وتمّت معاملة الأحوازيين العرب على أنهم مواطنين من الدرجة الثانية والثالثة، وحُرموا تماماً من المشاركة في السلطة. لذلك فإن الهوّة تبدو واسعة جداً بين ما كان يتمتع به شعب الأحواز قبل الاحتلال من حرّية وسيادة واستقلال، والواقع المأساوي الذي يعيشه هذا الشعب في الوقت الراهن.

 

وإذا ما نظرنا إلى الفترة التي ظهر فيها الحكم الذاتي، يمكن القول أنه من صنيعة الدول الاستعمارية والقوى الكبرى، حيث ظهر هذا المفهوم في المرحلة الانتقالية وهي المرحلة التي أعقبت انتهاء الحرب العالمية الثانية، وواكبت تطلع البلدان المستعمرة للحصول على الاستقلال وتصاعد المدّ التحرري الوطني في العالم الثالث، وكذلك وضع ميثاق منظمة الأمم المتحدة كتعبير عن نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية، وتطلع المجتمع الدولي لإرساء قواعد مرحلة جديدة في العلاقات الدولية بين الأمم والشعوب على قاعدة المساواة وتقرير المصير.

 

لذا فإن الدول الاستعمارية وبالرغم من غموض مفهوم الحكم الذاتي، (أصرّت على تضمين المفهوم في ميثاق الأمم المتحدة رغم اعتراض بعض ممثلي الدول على الحكم الذاتي في منظمات الأمم المتحدة وبالذات الجمعية العامة، حيث ظهر ممثلو البلدان المستقلة من العالم الثالث كمجموعة كبيرة عددياً، ويحدوها التطلع المشترك للاستقلال الكامل وممارسة السيادة والتخلص من العلاقات الاستعمارية المفروضة طوال عهود "الكولونيالية"*، ونضالاً من أجل إرساء مبادئ جديدة تستجيب لتطلعات الشعوب التي لا تزال بعد رهينة "الكولونيالية" كمبدأ حق تقرير المصير)([13]).

 

واثر حدوث هذه التطورات، أخذ مفهوم الحكم الذاتي يتراجع ليفسح المجال تدريجياً لمفهوم حق تقرير المصير، إلى حد أن بعض القانونيين (يؤكدون اختفاء المفهوم – أي الحكم الذاتي – من الفهرس التحليلي للقانون الدولي منذ بداية الستينات باستثناء ورود المفهوم في اتفاقية طرابلس الخاصة بحقوق الأقلية المسلحة في الفلبين)([14]).

 

وبالرغم من ذلك فإننا نتفهّم الظروف الموضوعيّة التي دفعت ببعض القوى الوطنية الأحوازية لتبنّي مفهوم الحكم الذاتي من حيث المبدأ من أجل الحصول على ما يمكن الحصول عليه من حقوق وحريّات سياسيّة.

 

إذ يقول السيد "أبو فراس" – الأمين العام "للحزب الوطني العربستاني" – (لأننا الطرف الأضعف في المعادلة مع إيران، لذا لا نستطع تمرير قرارنا السياسي على إستراتيجية الأمن القومي الإيراني، خاصة وأننا نمُرّ في مرحلة لا نستطع فيها أيضاً تقييم قدراتنا بشكل دقيق، لذلك فإن أي تصوّر خاطئ سيدفع ثمنه شعبنا غالياً. لذلك تبنّينا مفهوم "الحكم الذاتي" من حيث المبدأ ضمن أهداف حزبنا، على أساس أنه الخيار الأمثل لإيجاد حل يتلاءم مع طبيعة قضيتنا الأحوازية العادلة في الوقت الراهن)*.

 

 ويرى السيّد "عادل السويدي" – وهو من مناصري "حزب الوفاق الإسلامي" ويعدّ شخصيّة سياسيّة أحوازية مستقلة حالياً – (بنظرة إلى "جغرافية الأحواز" وتاريخ الدولة الأحوازيّة أثناء فترات حكم المشعشعيّين والكعبيّين في الإقليم، فأننا سنجد أن هناك دولتان كبيرتان كانتا تجاوران هذا الإقليم وهما: العراق وإيران، لذا كان للدولة الأحوازية الهواجس والتخوّف من سيطرة هاتان الدولتان على إقليمها حين كانت الدولة العثمانية تبسط سيطرتها على العراق والدولة الصفوية تمسك بزمام الحكم في إيران، لذا فان الدولة الأحوازيّة المستقبليّة التي نتطلع إليها، سوف لا يكون من نصيبها الاستقرار في الحكم إلا بوجود ظهير قوي يحميها من السقوط المرتقب طال الزمن أم قصر، وأننا سوف لن نكون أوفر حظاً من نموذج الدولة الكويتيّة المحميّة دولياً، فركائز الدولة غير متوفرة في الاقليم العمل الذي يجعلها قابلة للسقوط في أي لحظة. وكل ما اقتربنا من العراق يكون الإستقرار أفضل نسبياً لنمو مسارنا الإجتماعي وثقافتنا وإرثنا الحضاري العربي وذلك قياساً مع الإرتباط بالدولة الإيرانية. وبناء على معطيات الواقع السياسي للأحواز اليوم نرى في مفهوم "الحكم الذاتي" على أنه الخيار الأمثل لمستقبل "القضيّة الأحوازيّة" بإعتبار أنه الأكثر ضماناً لتفادي الخسائر الكبيرة في الأرواح وفي الأموال في حال خوض مواجهة غير محسوبة مع النظام الإيراني) *.

 

 وعندما ارتفعت الأصوات الأحوازية المطالبة بتطبيق "الحكم الذاتي" في الإقليم بعد إنتصار الثورة الايرانية، جاءت ردود الفعل متناسقة من قبل رموز النظام الإيراني الجديد، ففي مقابلة أجراها مع وكالة "بارس" الايرانية للأنباء بتاريخ 07/03/1979 صرّح "أبو الحسن بني صدر" أول رئيس جمهورية في إيران بعد الثورة، (ان إيران لن تمنح أي من مناطقها حكماً ذاتياً)([15])، وقال "مهدي بازركان" أول رئيس وزراء بعد الثورة في 05/04/1979 (ان الحكم الذاتي بمثابة الانفصال عن إيران ويهدد الوحدة الوطنية)([16])، أما آية الله خلخالي رئيس محكمة الثورة، وأثناء إشتداد الأزمة في الأحواز بعد إنتصار الثورة الايرانية صرّح قائلاً: ("أننا سنملأ شط العرب بالدم إذا ما أراد عرب الأحواز تطبيق الحكم الذاتي في الإقليم، وأننا لن نسمح بذلك إطلاقاً"، وأضاف: "لقد قتلت الكثير من أبناء الشعب العربي وأنني ليس نادماً ولا يعذبني ضميري")([17])

 

وبصفة عامّة يمكن إبراز الدوافع الكامنة وراء المطالبين بالحكم الذاتي في الأحواز على النحو التالي:

 

      1- إبرام اتفاقية الجزائر عام 1975 بين إيران والعراق، وتعهّد البلدان بموجبها العودة إلى معاهدات سابقة عقدت بين الدولة العثمانية وفارس لإجراء تخطيط نهائي لحدود البلدين البرية، والالتزام بإجراء رقابة مشدّدة وفعّالة على حدودهما المشتركة، وذلك من أجل وضع حدّ نهائي لكلّ التسللات ذات الطابع التخريبي من حيث أتت ومهما كان مصدرها، فشعر الأحوازيّون بأنهم الضحيّة الأولى لهذه الاتفاقية التي ستضيّق عليهم الخناق وتغلق عليهم المنافذ للفرّ بعد تنفيذ عملياتهم الفدائية ضدّ المؤسسات الإيرانية، كما أدركوا حقيقة فقدانهم لمن كانوا يعتبرونه السند الداعم لنضالهم، أي العراق.

 

     2- انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، وتغيير النظام في إيران، من نظام ملكي حليف للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل المعادية للعرب، إلى نظام جمهوري إسلامي بدا حليفاً للعرب وخاصة القضيّة الفلسطينيّة*، فبدأت الدول العربية تفكّر جدياً بتحسين علاقاتها مع إيران حتى وإن كانت على حساب القضيّة الأحوازيّة. ونتج عن ذلك شعور لدى الأحوازيين بضرورة خوض نضالهم المرير بمفردهم وإبداء شيء من المرونة في توجهاتهم.

 

     3- الخشية من أن لا يلقى إقليم الأحواز، نفس المصير الذي لقاه لواء الاسكندرونة العربي السوري الأصل، حين طُبّق فيه "الحق في تقرير المصير" أثناء الاستعمار الفرنسي لسوريا وبعد أن احتلته تركيا عام 1936، حيث تمّ تلاعب بالأصوات بعد الاستفتاء، لترجّح الكفّة لصالح تركيا بالاستيلاء على هذه المنطقة. ففي زمن ترضخ فيه العلاقات الدولية لهيمنة القوى الكبرى وتطغي عليه المصالح، تخشى التنظيمات السياسية الأحوازية من التلاعب – الذي يراه البعض حتمياً - في الأصوات في حال تمّ تطبيق الحق في تقرير المصير في الأحواز.

 

   4- تشجيع القوميات الإيرانيّة غير الفارسيّة وهي: "الآذرية التركية" و"الكردية" و"البلوشية" و"التركمانية" و"البختيارية" و"اللورية"، على تبنّي مبدأ الحكم الذاتي وتصعيد وتيرة النضال ضدّ الحكومة المركزيّة في طهران قصد إضعافها إلى حد الرضوخ إلى تلبية مطالب شعب الأحواز.

 

    5- تنمية الثقافة والإرث الحضاري لشعب الأحواز والحفاظ على خصائصه القومية، حيث عمدت الأنظمة الإيرانية إلى إلغائها.

  

    6- بناء مؤسسات الحكم المحلي والمتمثلة في السُلط الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية، تمهيداً لبناء مؤسسات الدولة.

 

      وبناءاً على ما تقدم، نخلص إلى القول بأنه من الممكن جداً تفهّم موقف أصحاب تبنّي مفهوم "الحكم الذاتي" والمطالبة بتطبيقه في إقليم الأحواز كمرحلة انتقالية فاصلة بين الاحتلال وما نتج عنه من تخلف شديد على كافة المستويات، سياسياً واقتصادياً وثقافياً واجتماعياً في الإقليم، وبين مرحلة جديدة تستوجب التدرّج الهادئ نحو بناء مجتمع مدني سليم قادر على مواكبة العصر والالتحاق ببقية الشعوب المتقدمة، والتي يمكن وصفها بالمرحلة الانتقالية من الهيمنة إلى الحريّة.

 

      بعد أن تعرّفنا على مفهوم "الحكم الذاتي" وحيثيّاته كمطلب أولي لابد من الإشارة إلى مطلب آخر لا يقل أهميّة ونقصد به: "حق تقرير المصير". 

 

 


([1]). "د. عبد العليم محمد" ، "مفهوم الحكم الذاتي في القانون الدولي"، مركز الدراسات السياسية والإستراتجـية بالأهـرام، (غير مؤرخ)، ص: 16.

([2]). المصدر السابق ، ص: 17.

([3]). نفس المصدر، نفس الصفحة.

([4]).                       . A/2428-4 Août 1953, Français :Documents Officiels: Assemblée Générale 8ième session-

([5]).                                                                                                            - Document officiels, Op. Cit, P: 5.

([6]). "د. عبد العليم محمد"، مصدر سابق ، ص: 19.

([7]).                                                             .-Conseil de l’Europe, série de traités Européenne n°122

La charte Européenne de l’automie locale, Strasbourg, Section de publication, 1985-P : 2-3.

([8]). "د. عبد العليم محمد"، المرجع السابق، ص: 20.

([9]).دخل مفهوم الحكم الذاتي في القانون العام للاتحاد الفرنسي مع المعاهدة الفرنسية التونسية التي حددت وضعية الحكم الذاتي لتونس وذلك في المادة الرابعة منها.

- راجع:                                  Daniel (Vignes): sur la nation de l’autonomie en droit constitutionnel, revue Internationale d’histoire Politique et constitutionnel, PUF, Paris « sans date ». P : 87-88.

([10]).                                    Daniel(vigneas): sur la nation d’Atunomie en droit constitutionnel, Revue international d’historique et  constitutionnelle,Op.Cit,P:87-89.

*. مقابلة شخصية مع السيد :أحمد الأحوازي" في داره بتونس، في: 26 جانفي 2005.

([11]). مجلة قضايا عربية، (عدد خاص)، أبريل،  السنة الثالثة، بيروت 1976، "د. سعد الدين إبراهيم"، "نحو دراسة سوسيولوجية للوحدة"، "الأقليات في العالم العربي"، ص: 5-24.

([12]). "د. عبد العليم محمد"، مصدر سابق سابق، ص:29.

*. نسبة إلى العسكر، "فالكولونيل" رتبة عسكرية عليا – كما هو معروف -.

([13]). "د. عبد العليم محمد"، مصدر سابق، ص: 32.

([14]).       Association Internationale des jusistes Démocrates, Union de juristes Palestiniens accords de Camp David, un défi droit international et le sycomore, Paris 1980, P: 29.

*. تمّ الحديث مع السيد "أبو فراس" (إسم حركي) عبر الانترنت بالصوت والصورة، بتاريخ: 03/02/2005.

*. تمّ الحديث مع السيّد "عادل السويدي" (أبو خالد) عبر الانترنت بالصوت والصورة، في: 01/02/2005.

([15]). "أحمد جابر"، مجزرة المحمّرة، مركز دراسات الأحواز، www.ahwazstudies.com.

([16]). المصدر نفسه.

([17]). جريدة همشهري الايرانية، العدد: 10، السنة الأولى، 12/2001، ونشرت نصوصاً من مذكرات خلخالي.

*. إلا أن هذا التوجه الإيراني الجديد لم يدم طويلاً، فسرعان ما اندلعت الحرب الإيرانية-العراقية في سبتمبر 1980، وكموقف قومي منها، اتخذت منظمّة التحرير الفلسطينية موقف الحياز مع العراق، فأثار ذلك حفيظة النظام الجديد في إيران، لذلك تراجع الإيرانيون عن توجّهاتهم السابقة المؤيدة للمنظمة، ونصبوا الكراهية والعداء لممثل الشعب الفلسطيني الشرعي والمنتخب والمتمثل في "منظمة التحرير الفلسطينية".