البــاب الثـالـث

تطلعات القضـــيّة الأحـــوازيّة

 

 

§       فقرة 2: المقاومة السياسيّة

 

   تقدّمت عشائر الأحواز في 07/02/1946 بمذكرة طلبت فيها عرض القضيّة الأحوازيّة على مجلس جامعة الدول العربيّة، وقد عارض هذا الطلب بعض المندوبين لصداقة حكوماتهم مع شاه إيران وحاولوا إسدال الستار على هذه القضيّة، واستعرضت العشائر في المذكّرة (حجم المعاناة والاضطهاد القومي والتمييز العنصري الذي يتعرّض له أبناء الأحواز، وطالبوا إخوانهم العرب ممثلي الجامعة العربية التدخل العاجل لمساعدتهم قبل أن يقضى عليهم قضاءاً كليّا)([1])، كما أعادة العشائر شكوى أخرى إلى جامعة الدول العربية في 22/08/1946 يؤكدون فيها ما ورد في شكواهم الأولى، ويشيرون إلى (تمسّكهم بمطالبهم في التخلص من الإحتلال الإيراني)([2]).

 

وفي نفس العام، أسّس الشباب العربي في الأحواز جمعية باسم "جمعية الدفاع عن الأحواز"، هدفها استصراخ العالم ولفت نظره إلى أوضاعهم البائسة، وفي نفس العام أيضاً أسس "حزب السعادة"* في المحمّرة، ومن أهم أهداف هذا الحزب: بثّ الوعي القومي بين شباب الأحواز وتوحيد صفوف العرب لمقاومة الإحتلال والمطالبة بمنحهم الحقوق القوميّة وتحقيق الإستقلال الكامل للإقليم والتخلص من السيطرة الإيرانية.

 

       وفي عام 1956 بدأ العرب يستعيدون طموحهم السياسي في الأحواز تحت تأثير المَد الوحدوي القومي في سوريا ومصر، وهكذا تأسس في الأحواز أول تنظيم سياسي أطلق عليه اسم "جبهة تحرير الأحواز" وكان أول عمل قامت به الجبهة تنظيم مظاهرة تأييد لشعب مصر أثناء العدوان الثلاثي على بور سعيد عام 1956. وطرحت الجبهة مبدأ التحرير والاستقلال والحق في تقرير المصير.

 

وانبثق تنظيم سياسي آخر في الأحواز عام 1958 باسم "الجبهة الشعبيّة لتحرير الأحواز"، واتخذ الكفاح المسلح وسيلة للتحرير، وأعلنت الجبهة أن مناضليها قاموا بعمليّات عسكرية تجاوزت المائة وقد أعدم سبعة من أفرادها رمياً بالرصاص وسقط 21 منهم في معارك وعمليات خاضوها ضد نظام الشاه محمد رضا بهلوي.

 

     وفي عام 1959 عقدت جميع المنظمات الأحوازية مؤتمراً عرف باسم "المؤتمر الوطني الأحوازي"، انبثقت عنه اللجنة القومية العليا وكان من أهدافها: النضال ضد النظام الإيراني، وقرّر المجتمعون العمل من أجل ثورة شاملة لاسترداد حريّة الإقليم.

 

     وأعيد طرح القضية الأحوازية على الجامعة العربية في عام 1963، وكانت النتائج سلبية لانقسام العرب بين حليف لشاه إيران وخصم له، وتشير بعض المصادر إلى أن المندوب العراقي في الجامعة قد عارض حصول الأحوازيين على مقعد في الجامعة العربية كعضو رسمي، وكان العراق من أكثر المهتمّين بمشكلة الأحواز وهذا يعود إلى الإرتباط الجغرافي والتاريخي بينهما وطبيعة الحكم القائم فيه آنذاك الذي عمل على احتكار القضية الأحوازية.

 

      وأعادت "جبهة تحرير الأحواز" نشاطها بعدما نكل بها عام 1963 على أيدي القوات الإيرانية وتابعت نضالها عام 1964 بعدما اتخذت الكويت مقرّاً لها، على أن المجتمعين الذين قرّروا متابعة النضال بدّلوا إسم الجبهة إلى "الجبهة الوطنية لتحرير الأحواز". وفي عام 1968 برزت "حركة الثورة العربية لتحرير الأحواز".

 

     ومنذ عام 1969.. وحتى إتفاقيّة الجزائر بين إيران والعراق عام 1975([3]) حاول الكثير من رجال السياسة الأحوازيين عبر جبهاتهم وتنظيماتهم التعريف بقضيّتهم سواء أكان ذلك من خلال كتاباتهم ومقالاتهم ومقابلاتهم في بعض وسائل الإعلام.. أو العمل على بث الوعي الوطني التحرّري لدى الشعب الأحوازي.. مستندين إلى الشعارات الثوريّة التي كان يطلقها نظام ثورة 1968 في العراق لتحرير الأراضي العربية المغتصبة والدعوة للوحدة العربية، إلا أن إتفاقيّة الجزائر عام 1975 بين نظام شاه إيران والنظام العراقي أدّت إلى شبه تجميد للعمل الثوري الأحوازي حتى أواخر عام 1978 حيث ساهموا مساهمة فاعلة في إنتفاضة الشعب وثورته ضد نظام الشاه.

 

§        فقرة 3: أسباب الفشل

 

    وهكذا لم يكتب لهذه الثورات والانتفاضات النجاح، ولعل من أبرز أسباب فشلها:

 

1– انعدام الدعم العربي المادي والمعنوي لهذه الانتفاضات، وبقى عرب الأحواز يخوضون نضالهم المرير بمفردهم ضد الدولة الإيرانية القوية والمتقدمة والمدعومة بالكامل من قبل الغرب - وفي مقدمته أمريكا وبريطانيا - وبعض الدول العربية الحليفة لها.

 

2– تجاهل جامعة الدول العربية للقضيّة الأحوازية، ومن الأمثلة على ذلك جواب الأمين العام لجامعة الدول العربية حول المذكرة التي تقدم بها رؤساء عشائر الأحواز إلى الجامعة عام 1946، حين قال الأمين العام "عبد الرحمن عزّام باشا": "لا وقت لدينا لبحث هذه القضيّة، لأننا الآن منشغلون جداً بقضيّة أكراد تركيا"!!

 

3– تجاهل وسائل الإعلام العربي لقضيّة الأحواز.

 

4– كانت هذه الثورات محليّة ومحدودة وغير شاملة، ووجودها في أماكن محدودة مما يسهل ضربها أو حصارها وقطع المساعدات عنها، بسبب الخطة الإيرانية القاضية إلى قطع أوصال الإقليم وعزل مدنه ومناطقه عن بعضها البعض لتسهيل السيطرة عليها.

 

5– افتقار معظمها إلى القيادة الواعية والحازمة بسبب تبنّي الدولة الإيرانية سياسة تفشّي الأميّة والجهل في الإقليم.

 

6– افتقارها إلى التنظيم والتنسيق والإعداد الجيّد.

 

7– محدودية الخيارات أمام الثوار الأحوازيين، إذ أنهم لا يجدون سوى العراق للجوء إليه أو الإنطلاق منه، على عكس الثوّار الفلسطينيين مثلاً حيث تعددت أماكن اللجوء والإنطلاق لأن فلسطين تقع بين أربعة بلدان عربية هي مصر وسورية والأردن ولبنان. فبقى الدعم العراقي للثورة الأحوازية مرهوناً بأمرين هما: التباين في توجّهات الأنظمة التي حكمت في العراق طيلة هذه الفترة وعلاقاتها المتأرجحة مع إيران بين التأزم والإنفراج من ناحية، والمحاولات الرامية إلى احتكار القضية الأحوازية من قبل بعض الحكومات العراقية من الناحية الأخرى.

 

8- خيانة البعض ممّن استطاع نظام الشاه شراء ضمائرهم وزرعهم وسط الثوّار.. وتقاعس بعض السياسيين الأحوازيين خاصة أولئك الذي أنتابهم اليأس من نجاح قضيّتهم لطول أمدّها من ناحية وللوضع العربي المتردّي من ناحية أخرى.

 

المبـحث الثـاني: الخــطـاب السيـاسي والنـضـالي الأحــوازي مــن: (1979 – 2005)

 

         بلغ النضال العربي في الأحواز في أواخر حكم الشاه محمد رضا بهلوي مرحلة عالية، فقد شارك عرب الأحواز بشكل مباشر في الثورة بوجه النظام الإمبراطوري وساهموا في الإطاحة به وإسقاطه، إذ أنهم استغلوا اعتماد الدولة الإيرانية على نفط الأحواز في اقتصادها، ومن خلال اضراباتهم العارمة وهجماتهم على منشأة النفط والمصانع والشركات ذات الصلة، واستطاعوا توقيفها عن العمل والإنتاج وبالتالي شلّ الإقتصاد الإيراني بتوقيف عجلته المعتمدة أساساً على نفط وغاز الإقليم، الأمر الذي عَجّل في سقوط نظام حكم "محمد رضا بهلوي".

 

         وكان عرب الأحواز يأملون أن تؤدّي مساهمتهم في إسقاط الشاه إلى التخلص من السياسة الجائرة التي اتبعها نظامه، كما أنها ستحقق لهم آمالهم في الحريّة وتقرير المصير، خاصة وأن قادة الثورة الإيرانية الجدد ورموزها رفعوا شعارات إسلامية ثوريّة حول الحرية والعدالة الإجتماعية ورفع الظلم والتمييز، والدفاع عن حقوق المحرومين والمستضعفين، والقضايا العادلة في العالم.

 

§       فقرة 1: المطالبة بالحقوق

 

         وعندما قام الشيخ "محمّد آل شبير الخاقاني" ممثل شعب الأحواز بزيارة "قم"، حاملاً مطالب الأحوازيين في شهر مارس من سنة 1980، لم يجد آذاناً صاغية من قبل "الخميني" الذي رفض الحديث معه بلغة القرآن، اللغة العربية، حفاظاً على لغته القومية الفارسية على حدّ قوله، فتولّى "أبو الحسن بني صدر"– أول رئيس جمهوريّة بعد الثورة – شؤون الترجمة الشكلية.

 

         ويمكن القول أن المطالب الأحوازية التي حملها الشيخ "الخاقاني" تهدف إلى إقامة "حكم ذاتي" في إقليم الأحواز، وقد طُرح نفس المبدأ (الحكم الذاتي) فيما بعد من قبل القوى السياسية والوطنيّة الأحوازية، خاصة "حركة التجمّع الوطني في الأحواز (عربستان)"، و"الحزب الوطني العربستاني".

 

         وتمثلت المطالب التي حملها الشيخ "محمد الطاهر الخاقاني" ما يلي:

1– الاعتراف بالقومية العربية في إيران على أن يدرج ذلك في الدستور الإيراني، فقد أعلن الدستور الإيراني الجديد دون أن يذكر شيئا عن الموضوع([4]).

 

2– تشكيل مجلس محلّي للأحواز كأساس للحكم الذاتي في الإقليم ليقوم بوضع القوانين المحلية اللازمة في المجالات الداخلية (الحقوق والحريات السياسية).

 

3– تشكيل محاكم عربية لحلّ مشاكل المواطنين العرب وفقاً لقوانين الجمهورية الإسلامية (الحق في التقاضي).

 

4– اعتبار اللغة العربية لغة رسمية في الأحواز إلى جانب اللغة الفارسية (الحق في التعليم).

5– إلزامية تدريس اللغة العربية في كل المدارس الإبتدائية في الأحواز.

6– إقامة جامعة تدرّس باللغة العربية في منطقة الحكم الذاتي تلبّي الطلاب في الأحواز.

7– أولوية التوظيف في الأحواز يجب أن تكون لأبنائها العرب ومواليدها (الحق في العمل).

8– ضمان حرية الصحافة والنشر والإعلام باللغة العربية.

9– تخصيص قسم من موارد النفط الذي يستخرج من الأحواز لإعمار المنطقة وتطويرها.

10– السماح بإدخال المواطنين العرب من أبناء المنطقة في القوات المسلحة والشرطة المحلية دون تمييز.

 

11– إعادة النظر في قوانين توزيع الأراضي على الفلاحين ضمن القوانين الإسلامية المتعارف عليها (الحق في الملكيّة).

 

وكانت النتائج المترتبة على هذه المطالب، مجابهتها بالرفض التام والتسويف والقمع من قبل النظام الجديد وإتباع سياسة الاعتقال والإعدام، حيث تمّ اعتقال الزعيم الروحي الشيخ "محمّد الخاقاني" فسجن في منزل  بمدينة "قم" حتّى وفاته.

 

فقرة 2: مجزرة المحمّرة

 

   مثلما كانت "المحمّرة" (عاصمة الدولة الكعبية) معقلاً للعديد من الثورات والإنتفاضات الأحوازية، فقد كانت مشهداً للقمع والإضطهاد وارتكاب المجازر فيها بواسطة السلطات الإيرانية الجديدة.

 

ولعل أبرز هذه المجازر تمثلت في الهجمة العسكرية الشرسة على يد الأدميرال البحري الجنرال "أحمد مدني" 29/12/1979 والتي استمرت زهاء أسبوع كامل. وتأتي مجزرة المحمّرة كإجابة واضحة وصريحة ومعلنة من قبل نظام ما بعد الثورة على مطالب عرب الأحواز بالحقوق والحريات السياسية. وكانت القوى اليمينية الفارسية والدينية التي ناصبت عرب الأحواز العداء، عقدت في 05/12/1979 المؤتمر الأول لحكّام المقاطعات الإيرانية تحت يافطة استتباب الأمن في المقاطعات الإيرانية، وكان القصد من انعقاده ضرب الحركة العربية في الأحواز وكذلك الحركة الكردية في كردستان إيران. وأفضى المؤتمر إلى قرار يقضي بحل التنظيمات السياسية والمراكز الثقافية العربية وإغلاق جميع مكاتبها، والسماح باستخدام كافة الوسائل بما فيها الأسلوب العسكري.

 

وفور انتهاء المؤتمر توجّه الأدميرال "أحمد مدني"، الحاكم العسكري الجديد لإقليم الأحواز، إلى مدينة قم لإطلاع الخميني على مقررات المؤتمر والإجراءات التي سوف تتخذ تجاه الشعب العربي الأحوازي ومنظماته السياسية والثقافية، وبعد حصوله على مباركة خطيّة من شخص الخميني، طلب من "صدر حاج جوادي" وزير الداخلية الإيراني آنذاك، وضع إدارة القوات الثلاث البحرية والبرية والجوية في إقليم الأحواز تحت أمرته، فلبّى الأخير طلبه، ليبدأ "أحمد مدني" حملته بالإعتقالات في كافة مدن وقرى الإقليم وصرّح قائلا: (بأن الشعور القومي لدى عرب الأحواز، لا ينحصر في مدينة المحمّرة وحسب وإنما يشمل عموم الأحواز، وأن هدف التنظيمات السياسية الأحوازية هو فصل الأحواز عن إيران)([5]).

 

        وبقيادة الجنرال "أحمد مدني" فان قوات الجيش والحرس الثوري واللجان الثورية والجيش الشعبي وعدد كبير من الملثمين تدفقت نحو مدينة المحمّرة استعداداً للهجوم. وفي صبيحة يوم الأربعاء 29/12/1979 هاجمت جميع هذه القوات وبأعداد كبيرة وبمختلف أنواع الأسلحة وصنوفها مقرّ المنظمة السياسية للشعب العربي الأحوازي والمركز الثقافي العربي، فقتل جميع المتحصّنين في هذه المقرّات، وفور انتشار الخبر، هرعت جُموع المواطنين من مختلف أنحاء المدينة نحو المقرّ والمركز الثقافي فتصدّى لهم الجيش والحرس الثوري واللجان والملثمين بإطلاق النار عشوائياً، فأعلنت حالة الطوارئ والتجوّل في المدينة وسرعان ما امتدت الأحداث إلى مدينة "عبادان" لتواجه نفس المصير، وقصفت المقاتلات الإيرانية وطائرات الهليكوبتر خمسة قرى من قرى "المحمّرة"، واستمرت الحملة قرابة أسبوع راح ضحيتها 817 قتيل وزهاء 1500 جريح والآلاف من المعتقلين وقد انتهت بسيطرة قوى الأمن الإيراني على المنطقة.

 

      وحسب نفس المصدر آنف الذكر، يعتبر الأدميرال "أحمد مدني" بأن (عرب الأحواز يثيرون الشغب، وقال بأنه سيشرب من دمائهم إذا ما استمروا في الضغط من أجل تحقيق مطالبهم)([6]). أما عرب الأحواز فينظرون إلى الجنرال "مدني" على أنه مرتكب "مجزرة المحمّرة" وجلاد الشعب الأحوازي، ويتخذون من اليوم الذي شنّ فيه "مدني" الهجوم على "المحمّرة" - الأربعاء الأسود -  يوماً وطنياً ورمزاً للإستمرار في النضال.

 

     وبهذه الجريمة النكراء قدّم النظام الجديد الحاكم في إيران بعد ثورة 1979 برهاناً جديداً على استمراره بالسياسات العنصرية والقمعيّة تجاه شعب الأحواز، ومدى تعاطيه وتقبّله لمطالبهم التي عبّروا عنها بالطرق السلمية دون اللجوء إلى استخدام القوة.

 

فقرة 3: أبرز التيّارات السياسيّة الأحوازيّة بعد الثورة الإيرانيّة

 

رغم مساهمتهم الفعالة في ثورة الشعوب الإيرانيّة وإنتصارها استفاق عرب الأحواز على واقعهم المأساوي بعد ثورة عام 1979 في إيران, فلم يكن أحد يتوقع الإنهيار السريع والمفاجئ لنظام الشاه "محمد رضا بهلوي" لينتهي مع سقوطه عهد الأسرة البلهوية بعد أكثر من خمسين عاماً من الحكم, وأمام هذا التحوّل السريع في النظام السياسي في إيران، وجد الأحوازيين أنفسهم عاجزين عن تحقيق طموحاتهم وتطلعاتهم لنيل الحرية والاستقلال, فقد أدركوا بان الفرصة قد ضاعت منهم ولم يستثمروا الانفلات الحاصل في إيران, ولعلّ من أهم أسباب ضياع الفرصة المتاحة للأحوازيين يمكن الإشارة إلى:

أولاً: سياسة الاضطهاد الشديد التي انتهجها النظام البهلوي تجاه الأحوازيين، وحرمانهم على كافة المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، أدت إلى عدم إرتقائهم إلى مستوى مثل هذه الأحداث لاستغلالها في صالح قضيتهم.

ثانياً: فشل الحركة الوطنية الأحوازية في تغيير الواقع السياسي المأساوي في الإقليم طيلة خمسين عاماً من الكفاح، كما أن التنظيمات السياسيّة الأحوازيّة لم تستطع بأن تجعل القضيّة الأحوازية رقماً صعباً في المعادلات السياسيّة الإقليميّة على غرار ما قامت به الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة.

ثالثاً: فقدان القضيّة الأحوازيّة للزعيم القادر على توحيد صفوف المناضلين مثلما هي الحال بالنسبة للقضية الفلسطينية التي اتخذت من الزعيم الراحل "ياسر عرفات" (رحمه الله)، قائداً لمسيرة الشعب الفلسطيني النضالية.

رابعاً: فشل الحركة الوطنية الأحوازية في بناء المؤسسات التي من شأنها أن تضمن استمرارية النضال، وأن تهيء الأجواء العامة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في إقليم الأحواز للانتقال من مرحلة الثورات والانتفاضات إلى مرحلة بناء أسَس الحكم المحلي في الإقليم.

لذلك لاحظنا تصاعد وتيرة العمليات الفدائية ضد النظام الجديد سنة 1980 من قبل منظمات ثورية جديدة ثلاث هي:

     "حركة مجاهدي الشعب العربي المسلم"، و"الحركة الجماهيرية في الأحواز"، و"المنظمة السياسية للشعب العربي في الأحواز". واتخذت هذه المنظمات منهج العمل الثوري الفدائي، بعدما تبين أنه لا اختلاف بين السياسة التي اتبعها النظام البهلوي والسياسة الخمينيّة الجديدة تجاه الأحواز، حتى ذهب الأحوازيين إلى حدّ وصف "الخميني" "بالشاه المُعَممّ".

     وفي 30/04/1980، قامت مجموعة من ثوّار الأحواز باحتلال السفارة الإيرانية في العاصمة البريطانية لندن، واحتجزت العاملين فيها كرهائن، وكان من أبرز مطالب هؤلاء الثوّار اعتراف الحكومة الإيرانية الجديدة "بالإستقلال الذاتي" للأحواز، وإطلاق سراح مئات المساجين الأحوازيين المعتقلين في سجون الثورة الإيرانية.

وقام "صادق قطب زاده" وزير خارجية إيران في ماي 1980 بزيارة إلى الدول الخليجية للإتصال مع البعض من الثوّار الأحوازيين، ومحاولة الضغط على الحكومات الخليجية لتسليم الأحوازيين الذين كانوا يتخذون البعض من الدول الخليجية منطلقاً لعملهم ضد نظام إيران، وصرّح في جولته هذه، (بأن محتليّ السفارة الإيرانية في لندن يتقنون الحديث باللغة الفارسية، وبأنه قد أبلغهم عزم حكومته قتل المعتقلين الأحوازيين وعدم الرضوخ إلى المطالبة بإطلاق سراحهم)([7]). وبعد مرور ستّة أيام انتهت العملية، بقيام إحدى الفرق الخاصة التابعة لقوّات الأمن البريطانية بمهاجمة الثوار لتقتل خمسة منهم واعتقلت السادس وهو "فوزي رَفرَف" الذي مازال يقبع في أحد السجون البريطانية حتى يومنا هذا.

 

      ومنذ عام 1980 أخذت عدّة تنظيمات سياسية وثورية أحوازية في البروز ومن هذه التنظيمات يمكننا الإشارة إلى:

 

     1- "الحركة الثوريّة الديمقراطيّة لتحرير الأحواز", والتي تأسّست في سنة 1980، وطالبت  "بالحكم الذاتي".

 

2- "اللجنة الثقافية الأحوازيّة", تأسست سريّاً عام 1982, وركزت على العمل التوعوي والتثقيفي في صفوف أبناء الإقليم، وطالبت "بحق تقرير المصير"، وأكد لنا السيد "جاسم الكعبي" – أحد رموز الحركة الوطنية الأحوازية ومن مؤسسي "اللجنة الثقافية الأحوازية" – (كردّة فعل منها تجاه رفض النظام الإيراني للمطالب التي تقدّم بها الشيخ "محمّد آل شبير الخاقاني" – التي بيناّها سابقاً – والهادفة إلى نيل "الحكم الذاتي" في الإقليم، أدرجت اللجنة نفس المطالب التي كان قد تقدّم بها الشيخ في أحد منشوراتها، إلا انها قد طرحت "الحق في تقرير المصير" من حيث المبدأ) *.

 

3- "حركة الشباب العربي الأحوازي"، التي تأسست سريّاً سنة 1984 من قبل عدد من الشباب الطليعي الواعي الأحوازي، تمكنت من ربط علاقات جيّدة مع عدد من حركات التحرر العربية "كحركة التحرير الوطني الفلسطيني" وكذلك "جبهة تحرير اريتريا" وكان من أبرز أهدافها الحصول على "الحكم الذاتي" في الأحواز.

 

        4- "حركة التجمّع الوطني في عربستان", وتأسّست في عام 1986, وقد أصبحت "حركة الشباب العربي الأحوازي" جزءاً منها, وضمّت هذه الحركة عدداً من الناشطين السياسيين والمستقلين منهم، والبعض من الذين كانوا ينتمون إلى تنظيمات سياسية أحوازية سابقة, وكان ذلك أول اندماج قد حصل في التاريخ النضالي الأحوازي, حيث وضعت هذه الحركة  "الحكم الذاتي" في الأحواز في مقدمة أهدافها, وغيّرت الحركة إسمها عام 2000, من: "حركة التجمع الوطني في عربستان", إلى: "حركة التجمع الوطني في الأحواز( عربستان)"، ونظراً للتشابه الكبير بين القضيتين الأحوازية والفلسطينية، ربطت هذه الحركة علاقات وطيدة مع "منظمة التحرير الفلسطينيّة" وعيّنت مندوباً في المنظمة.

 

     5- "الحزب الوطني العربستاني", وقد تأسس رسمياً بتاريخ 13/06/1998, من نواة لتنظيم سياسي، أسّس في داخل الإقليم في 13/06/1984، وقد وقع اختيار هذا الحزب لهذا التاريخ تخليداً لذكرى إعدام ثلاثة من رموز النضال الأحوازي، وهم: "محيي الدين آل ناصر" و"عيسى نصّاري" و"دهراب الناصري"، على يد السلطات الإيرانيّة في 13/06/1964.

 

ومن خلال متابعتنا لبيانات الحزب الوطني العربستاني وقرائتنا لبرنامجه السياسي ومقالات أمينه العام "أبو فراس"، تبيّن أن هذا الحزب يتسم بالبراغماتية من خلال إعادة صياغة الأفكار والرؤى ثلاث مرّات  بعد تاريخ تأسيسه. وقد ركز على "الحكم الذاتي" في خطابه السياسي.

 

       وتجدر الإشارة إلى أن المناضلين الثلاث المذكورين، هُم من رموز المقاومة الأحوازية، وحسب قناعاتهم فإنهم قد خيّروا "الشهادة" على الإستسلام وتركوا ورائهم ذكرى طيبة يقتدي بها المناضلين الأحوازيين لتحرير الوطن.

 

       6- "الجبهة الديمقراطية الشعبية للشعب العربي الأحوازي"* ، وتأسّست في الشهر الأول من عام 1990. وأعطت هذه الجبهة الحق لنفسها باتخاذ كافة السبل المشروعة للوصول إلى أهداف شعب الأحواز للخلاص والتحرّر من العبودية والإحتلال - على حدّ تعبيرها - في برنامجها السياسي، كما شرّعت أساليب الكفاح وفقاً لمقتضيات الزمان والمكان وطبقاً للمتغيرات الداخلية والدولية، وكان "الحق في تقرير المصير" من أهم أهدافها.

 

       7- "حزب الوفاق الإسلامي"، تأسّس عام 1998 أيضاً داخل الإقليم, وحاول هذا الحزب استغلال مجيء "خاتمي" إلى سدّة رئاسة الجمهورية في إيران ليعلن عن نفسه كحزب يعمل ضمن الدستور الإيراني.

 

  ولان السجن والإعدام كان مصير المنتمين إلى التنظيمات السياسية الأحوازية التي تغلب عليها سمة المقاومة لا المعارضة, فان "حزب الوفاق الإسلامي" قد انتهج أسلوب المعارضة وقد حاول الحصول على تصريح رسمي من الحكومة الإيرانية, إلا انه لم يتسنى له ذلك, ولكنه نجح في اكتساب قاعدة شعبية واسعة داخل الإقليم، كما تمكن من إدخال أحد مرشحيه حين كان اسمه "لجنة الوفاق الإسلامي", إلى مجلس الشورى الإسلامي, كنائب  عربي يدافع عن حقوق عرب الأحواز في البرلمان الإيراني. وكان هذا العضو البارز "جاسم التميمي"، وبالرغم من المعارضة الشديدة التي تلقاها من قبل الشوفينيين الفرس في البرلمان، استطاع من إلقاء كلمته المتعلقة بالقضيّة الفلسطينية باللغة العربية, إلا أن هذا النائب قد اُبْعِد عن البرلمان من قبل التيار المتشدّد الذي يقوده ولي الفقيه "علي خامنئي" في بداية عام (2004). وقد انبثق عن هذا الحزب مؤخراً "حزب الآفاق الإسلامي"، وهو استمرار لنشاطات حزب الوفاق. والجدير بالذكر أنه بالرغم من اتخاذ حزب الوفاق أسلوب المعارضة، إلاّ أن السلطات الإيرانية قد لاحقت عدداً كبيراً من عناصره فاعتقلتهم وحكمت على البعض منهم بالإعدام. إذاً لا فرق لدى السلطات الايرانية بين معارض مسالم أو مقاوم مسلح.

 

      8- "حزب النهضة العربي الأحوازي"، الذي تأسس عام 2002([8])، وقد عبر هذا الحزب عن أهدافه المتمثلة في ضرورة تغيير شكل ونظام الدولة الإيرانية التي وصفها بالعنصرية والشوفينية، وطالب بإقامة دولة فدرالية ديمقراطية في إيران تمنح الشعوب الإيرانية الحق في تقرير المصير لنفسها، وأكد على ضرورة الكفاح المشترك مع القوى التحرريّة للشعوب الواقعة تحت نير الهيمنة الفارسية، وقد وضع حزب النهضة "الحق في تقرير المصير" في مقدمة مطالبه.

 

     10- "حزب التضامن الديموقراطي الأحوازي"([9])، أسّس هذا الحزب عدد من مفكري وناشطي الحركة الوطنية الأحوازية بتاريخ 19/07/2003 في العاصمة البريطانية لندن. وقد اعتبر الحزب نضال الشعب العربي الأحوازي على أنه جزءاً من النضال المشترك للقوميّات الإيرانية، ويتطلع الحزب لإنشاء مؤسسات المجتمع المدني وتعزيز التعاون والتنسيق بين مختلف الأحزاب والتنظيمات الأحوازية الفاعلة، وصولاً إلى تشكيل جبهة وطنية عريضة تمثل أكبر قدر ممكن من القوى السياسية والاجتماعية في الإقليم. وإن "الحق في تقرير المصير" لشعب الأحواز من أول الأهداف التي يناضل من أجلها "حزب التضامن الديمقراطي الأحوازي".

 

      إن القراءة الدقيقة للمسيرة النضالية لشعب الأحواز ومقاومة الاحتلال الإيراني في العهدين البهلوي ونظام ما بعد الثورة الإيرانية 1979، تبيّن لنا بوضوح أنه بالرغم من الإختلاف في الأسلوب والمنهج في العمل النضالي، إلا أن الأهداف المنشودة لم تتغيّر في جوهرها، إذ عملت كافة القوى الوطنية الأحوازية على تحقيق الحرّية والإستقلال لشعب الأحواز من خلال مطالبتها الصريحة والمعلنة "بالتحرّر" أو بتحقيق "الحكم الذاتي"، أو "بالحق في تقرير المصير".

 

       وبالمقابل، فإن الأنظمة المتعاقبة على دفة الحكم في إيران منذ عام 1925 حتى يومنا هذا، قد اتخذت نفس الأسلوب للتعامل مع تطلعات الشعب الأحوازي، وتمثل هذا الأسلوب بالاضطهاد القومي الحاد والتمييز العنصري البغيض والقمع الشديد لشعب الأحواز.


 

([1]). لطفاً راجع النص الحرفي للمذكرة في الملحق.

([2]). لطفاً راجع صورة طبق الأصل للمذكرة في الملحق.

*. يربط بعض المؤرخين تسمية هذا الحزب "السعادة" باسم الحلف الذي أقامه الشيخ خزعل مع قبائل البختيارية واللور المجاورة لإمارته    لمناهضة رضا شاه بهلوي، والذي عرف آنذاك بـ: "حلف السعادة" الذي تولى زعماته الشيخ خزعل.

([3]). لطفاً راجع نص المذكرة في الملحق.

([4]).نشرت نصوص الدستور الجديد للجمهورية الإسلامية الإيرانية في جريدة كيهان الحكومية عدد: 28/04/1980، مصدر سابق.

([5]). "موسى سيادت"، "تاريخ خوزستان أز دوره أفشار تا دوره معاصر"، مصدر سابق، ص: 978 و975، موقع دراسات الأحواز على الانترنت: www.ahwazstudies.com)).

([6]). المصدر نفسه، ص: 974.

([7]). "الصراع العربي الفارسي"، مصدر سابق ، ص: 108.

*. مقابلة شخصيّة مع السيّد "جاسم الكعبي" في داره في اليونان (أثينا) في: 27/02/2004.

*. هكذا ورد الإسم. راجع: موقع الجبهة الديموقراطية الشعبية للشعب العربي الأحوازي على الانترنت: (موقع الأحواز):     (Alahwaz.org@Alahwaz).

([8]).موقع حزب النهضة العربي الأحوازي على الانترنت هو: (Al-Mohamra.nu@Al-mohamra).

([9]).موقع حزب التضامن الديموقراطي الأحوازي على الانترنت هو: (Info.Alahwaz.Info).