البــاب الثـالـث

 

تطلعات القضـــيّة الأحـــوازيّة

 

    

 

 

الفصل الأول: الأحوازيّون، ورفض الإحتلال وإستمرار النضال

 

الفصـل الثاني: التصوّرات المستقبليّة للقضيّة الأحـوازيّة

 

 

 

الفصل الأول: الأحوازيّون، ورفض الإحتلال وإستمرار النضال

 

المبحث الأول: المقاومة الأحوازيّة في عهد الأسرة البهلويّة

 (1925 – 1979)

 

§        فقرة 1: المقاومة المسلحة

§        فقرة 2: المقاومة السياسيّة

§        فقرة 3: أسباب الفشل

 

المبحث الثاني: الخطاب السياسي والنضالي الأحوازي (1979 – 2005)

 

§        فقرة 1: المطالبة بالحقوق

§        فقرة 2: مجزرة المحمّرة

§        فقرة 3: أبرز التيّارات السياسيّة الأحوازيّة بعد الثورة الايرانيّة

 

 

 

 

الفـصـل الأوّل

 الأحــوازيّون ورفـض الإحتلال وإستمرار النضال

 

 

    بالرغم من التعتيم الإيراني الشديد على القضيّة الأحوازيّة، وشحّة المصادر والمراجع ذات الصلة، فقد حاولنا الوقوف عند مقومات هذه القضيّة ودراسة تداعياتها قدر المستطاع. وسنحاول في هذا الباب أن نسلط المزيد من الضوء لتحليلها وفهمها لإثراء البحث، خاصة وأنها تتناول طموحات وتطلعات الشعب العربي في الأحواز الذي يناضل من أجل إخراج هذا الإقليم وقضيّته من المأزق الذي يمرّ به في ظلّ السياسات المتبعة من قبل الأنظمة الإيرانية المتعاقبة على الحكم منذ عام 1925، ويرى الأحوازيّون أن هذه الأنظمة لا تعير أدنى اهتمام لطموحات وتطلعات قرابة خمسة ملايين عربي أحوازي، وأدارت ظهرها لكافة القوانين والمعاهدات الدوليّة المتعلقة بالحقوق والحريّات الأساسيّة لهذا الشعب وغيره من شعوب المنطقة.

 

    وقبل الخوض في دراسة تطلعات القضيّة الأحوازيّة، ورغبة الشعب الأحوازي في التمكن من أن يحكموا أنفسهم ذاتياً أو تطبيق حق تقرير المصير في إقليمهم، رأينا من الضروري أن نتوقف عند ردّة فعل الأحوازيين بعد أن ضمّت إيران إقليمهم لإقليمها، فاستباحت أرض وشعب الأحواز.

 

 

المبحث الأول: المقاومة الأحوازية في عهـد الأسـرة البهلويّة

   (1925 – 1979)

 

         منذ إحتلال الجيش الإيراني لإقليم الأحواز سنة 1925، بدأ الشعب العربي يقاوم هذا الإحتلال ويؤكد رغبته في استعادة سيادته على الإقليم.

 

         وقد تمثلت هذه المقاومة بعدة أساليب، فمن ثورات وانتفاضات، إلى رفع المذكرات إلى الجهات الدينيّة والسياسيّة على المستويين العربي والعالمي، إلى عقد مؤتمرات خاصّة بهم، غايتها إظهار المظالم الواقعة عليهم، وطلب الدعم لمسيرة الشعب العربي، ومساندة نضاله ضد التسلّط الإيراني.

 

        وتعرّف المقاومة على أساس أنّ هنالك (نوعان من المقاومة: مقاومة الطغيان والإضطهاد (Rèsistance à l¢Oppression)، والمقاومة من أجل التغيير (Rèssistance au Changement).أما النوع الأول فيعني الحق الذي يتمتع به الأفراد أو الجماعات، والذي يتيح لهؤلاء أن يتصدّوا لكل التصرفات غير القانونية والجائرة التي تصدر عمّن هُم في موقع المسئولية. وقد أقرّت العديد من العقائد والمذاهب السياسية مثل هذا الحق، ومثال ذلك إعلان الحقوق الصادر في فرنسا في جويلية 1793. وعلى مستوى الممارسة تكون المقاومة إما سلبية فاعلة، وإما عنيفة ضارية. والمقاومة بوجهيها السلبي الفاعل لا تستهدف إلا مقاومة العمل غير القانوني والجائر، في حين ان المقاومة العنيفة الضارية تسعى لقلب النظام القائم باللجوء إلى القوة، حين يبدو لها ان هذا النظام قد زاغ عن جادة الحق والصواب. ففي فرنسا مثلاً، يحتل حق مقاومة الطغيان والاضطهاد، مركز الصدارة في الدستور، وذلك بموجب ما صدر في 16/01/1982. وأما النوع الثاني من المقاومة، والذي يستهدف التغيير بكافة وجوهه، فيعني تلك المقاومة السلبية أو المعارضة الإدارية أو غير الإدارية التي يعتمدها جماعة من الناس أو بعض المؤسسات بغية تغيير شامل يتناول الأفكار والسلوك وقواعد التنظيم)([1]).

 

       وبالرغم من الإجراءات القاسية وعمليات الإضطهاد والقمع الشديد التي مارستها الدولة الإيرانية على عرب الإقليم، فإنها لم تستطع أن تخمد أصواتهم وبقيت تلك الأرض لا تعرف الاستقرار عن طريق الثورات والاحتجاجات التي قام بها الأحوازيّون مطالبين باستقلالهم وحريّتهم وكان لهم العديد من الثورات طيلة الأربع والخمسين عاماً من عهد البهلويين.

 

§       فقرة 1: المقاومة المسلحة

 

      انفجرت ثورة جنود "الشيخ خزعل" - آخر حكّام الأحواز- بتاريخ 22/07/1925، أي بعد مرور ثلاثة أشهر على الإحتلال العسكري الإيراني للأحواز، (وقاد هذه الثورة "شلش" و"سلطان"، فاستولى جنودهم على مدينة "المحمّرة" وأعلنا قادة هذه الثورة استقلال "المحمّرة"، فقصفها الإيرانيّون بشدّة، وأسّروا عدداً كبيراً من العرب وقاموا بإعدام آخرين في أحكام عرفية([2]).

 

      وفي العام نفسه تجمّع الثوّار الأحوازيين في جزيرة شَلحَة في شط العرب بهدف الهجوم على الأحواز واستعادتها، (لكن القوات البريطانية هاجمت هذا التجمع وقضت عليه، وتشير التقارير البريطانية أن الهجوم تمّ تلبية لطلب الحاكم العسكري الإيراني للأحواز)([3]).

 

      في هذا العام أيضاً، تسلم قيادة الأحوازيين في المحمّرة الشيخ عبد المحسن الخاقاني فقام مع نفر من أصدقائه بانتفاضة داخلية أقلقت السلطات الإيرانية، ورفعوا مذكرتي احتجاج لدى مختلف الشخصيّات الدينيّة والسياسيّة العربيّة في العراق طالبين فيها مساندتهم في نضالهم. وجاء في إحدى هاتين المذكرتين: (أن علماء وسادات الأحواز يشكون أحوالهم من ضغط أمراء الدولة الإيرانية  الذي كاد يقضي على العرب فاضطرهم إلى الهجرة من الأوطان مشتتين، وقد هتكت منهم كل حُرمة وأخذت الأموال منهم بلا حق، ولا قانون يحميهم والباقون منهم يستغيثون طالبين المساعدة)([4]).

 

      وفي عام 1928 فَجّر العرب ثورة في الحويزة بقيادة "محيي الدين الزئبق" رئيس عشائر الشرفة، بالتعاون مع عشائر أخرى، وشكل حكومة دامت ستة أشهر تمارس حُكمها بصورة مستقلة، وشاركت النساء في هذه الثورة التي سُمّيت بثورة "نزع السلاح"، وكان سببها أن الدولة الإيرانية فرضت بعض المطالب على أهالي المنطقة وأمرتهم بتنفيذها، وهذه المطالب هي: نزع السلاح، وتبديل الزي العربي وارتداء الملابس الفارسية، ورفع يد العرب عن أملاكهم، ومن نتائج هذه الثورة أن قائدها قد لقي مصرعه على يد الجيش الإيراني.

 

      وعلى الرغم من القسوة المتناهية فإن الشعب الأحوازي قد أصرّ على الاستمرار في النضال وكان مهيئاً للثورات في كل لحظة، وأشار تقرير للمخابرات البريطانية عام 1929 إلى (أن كافة العشائر غير راضية عن الوضع في الأحواز، وأنها تنتظر أيّة إشارة للثورة ضد الحكومة الإيرانية، وأن الإدارة الإيرانية مكروهة تماماً من الشعب الأحوازي الذي يرى في تغيير اسم الإقليم إلى خوزستان قصد به القضاء على الشخصية العربية للإقليم، وأن شعورهم يمكن الإحساس به بسهولة، وهو أنهم يريدون الثورة ضد الحكومة الإيرانية ولكنهم بحاجة إلى زعيم)([5]).

 

       وفي تقرير آخر ذكرت المخابرات البريطانية (أن العشائر مستعدة للثورة ضد الحكومة الإيرانية  في أي وقت وفي أي مكان وأنها قد تعاهدت فيما بينها على الثورة)([6]). وأكد هذه المعلومات القنصل البريطاني في المحمّرة في رسالته الموجهة إلى السفير البريطاني في طهران بتاريخ 17/08/1929.

 

      وتشكلت في العراق بين 1929 – 1939 جمعية تزعّمها الشيخ "هادي كاشف الغطاء" لدعم نضال الأحواز الذي قدّم مذكرة إلى عُصبة الأمم طالب فيها بإجراء استفتاء لمعرفة ما إذا كان شعب الأحواز يرضى البقاء تحت السيطرة الإيرانية أم هو يريد الإنفصال عنها.

 

وجاءت ثورة الغجرية* عام 1943 التي تزعّمها الشيخ "جاسب بن الشيخ خزعل" بعد اتفاقه مع بعض رؤساء القبائل، وقد تمكن الثوار من قتل الكثير من الجنود والضباط الإيرانيين كما تمكّنوا من إسقاط طائرة حربية إيرانية.

 

وحاول الشيخ "عبد الله بن الشيخ خزعل" عام 1944 القيام بثورة في منطقة "الفيلية" بالإتفاق مع العشائر العربية، وكانت الخطة تقضي بالسيطرة على مدينة "المحمّرة" والقضاء على الحامية الإيرانية فيها وقطع أسلاك الهاتف لعزل المدينة عن باقي المدن في الإقليم، إلا أن هذه الثورة لم يكتب لها النجاح لعدم التنسيق والإعداد الجيد لها.

 

     وقامت قبائل "بني طرف" سنة 1945 بثورة عارمة ضد السلطات الإيرانية عند ما حاولت تغيير زيّهم العربي بزيّ فارسي وكذلك نزع أسلحتهم، فقضوا "بنو طرف" على الكثير من الضباط والجنود، كما تمكّنوا من إسقاط طائرة حربية، لكنّهم تراجعوا أمام القوات الإيرانية الكثيفة المزودة بالمدرعات والطائرات التي كانوا يقابلونها بالبنادق العادية، وقد هجّرت الحكومة الإيرانية من هذه القبائل الآلاف إلى شمال إيران مشياً على الأقدام مات أكثرهم في الطريق جوعاً وبرداً – كما أشرنا سابقاً -  وتشير بعض المصادر بأنه لم يصل منهم سوى 80 شخصاً فقط.

 

     واندلعت ثورة الشيخ "مذخور الكعبي"، شيخ قبيلة "النصّار"، في منطقة "عبادان" سنة 1946، وتمكّن من السيطرة على المناطق الواقعة على الساحل الشرقي لشط العرب إلى الجنوب من "عبادان" بعد إزالة الحامية الإيرانية والقضاء على جنودها وضبّاطها، إلا أن الثورة لم يكتب لها النجاح أيضاً أمام القوات الإيرانية المدرّعة والطائرات الحربية التي قصفت المنطقة بشراسة.

 

وقاد الشيخ "يونس العاصي" الثورة عام 1949 في منطقة "البسيتين" و"الخفاجيّة" واستطاع أن يفصل هذه المناطق كلياً عن السيطرة الإيرانية، وجبت الثورة الضرائب باسم "يونس العاصي" الذي كان يسعى إلى تكوين مملكة أطلق عليها "مملكة عرب الشرق في الأحواز"، إلا أن الحكومة الإيرانية قد أجهزت على هذه الثورة، وانتقل قائدها إلى العراق حيث استوطن ناحية "المجر" بالقرب من مدينة "العمارة" حتى وفاته.

 


 

([1]). "عبد الوهاب الكيلالي"، الموسوعة السياسيّة"، مصدر سابق، ص: 288 و289.

([2]). "الصراع العربي الفارس"، منشورات العالم العربي، مصدر سابق، ص: 109.

([3]). "د. إبراهيم خلف ألعبيدي"، "الأحواز أرض عربية سليبة"، غير مؤرخ، دار الحرية للطباعة، بغداد، ص: 69.

([4]). المصدر السابق، ص: 73.

([5]). "تقرير المخابرات البريطانية"، رقم: C 135، في: 22/07/1929.

([6]). "تقرير المخابرات البريطانية"، رقم: C 159، في: 12/08/1929.

*. سميت بثورة الغجرية لإنطلاقها من منطقة تدعى الغجرية.