· سيادة الدولة الكعبيّة
كانت الأحواز حتى سنة 1925 (دولة عربية مستقلة ذات سيادة)([1])، مورست فيها مظاهر السيادة المطلقة على كافة نواحي الإقليم من قبل الدولة الكعبيّة التي استغلت الموقع الجغرافي للإقليم والتحالفات العسكرية الدفاعيّة مع دول مختلفة. (ولم يكن بإمكان أية دولة من دول منطقة الخليج العربي أن تفرض سيطرتها في ذلك الوقت على إقليم الأحواز)([2])، لأن هذه الدول (لم تكن تملك القوّة التي تفرض بها سيطرتها على الدولة الكعبية، ولتمسك الأخيرة باستقلالها)([3]).
ولم يقتصر سلطان الدولة الكعبية على إقليم الأحواز وحده، فقد امتد نفوذها إلى خارج حدودها الإقليمية، فخضع لها خانات* البختيارية الذين كانوا مسيطرين على جبال زاجروس الإيرانية و(اعترفوا بتبعيتهم للدولة الكعبية)([4])، كما امتدت سيطرتها إلى منطقة البصرة العثمانية (فكان سكانها يدعون بتبعيتهم لها)([5]).
ويرجع سبب نفوذ الدولة الكعبية في العراق إلى دعوتها للوحدة العربية، ولأن كانت الدولة العثمانية هي التي تحكم العراق، فقد كان من الطبيعي (أن تعترف العشائر العربية من جنوب مدينة بغداد وحتى مدينة البصرة بسلطة الدولة العربية الكعبية)([6])، لكي يتسنّى لها الخروج عن طاعة الدولة العثمانية التركية. وأكد تقرير المخابرات البريطانية على (أن الحدود السياسية للدولة العثمانية عند البصرة، لا تتفق مع نفوذ الزعيم العربي المستقل على حدودها وهو أمير دولة كعب…وإن نفوذ هذا الأمير في منطقة الفاو عظيم جداً)([7])ً. وصرّح حاكم بغداد العثماني في 26/12/1910 بأن (أمير كعب يحكم كل إقليم الأحواز…وأن نفوذه أمتد إلى الكويت والبصرة)([8]).
· السيادة الداخليّة
أمير الأحواز هو الرئيس الأعلى للدولة الكعبية (وسلطاته مطلقة وغير محدودة)([9]). وبالرغم من أنه يتولّى منصبه هذا بالوراثة باعتباره من أفراد العائلة الحاكمة، إلا (أن الانتخاب الشعبي هو الذي يختاره للحكم ويعزله عنه)([10]). حيث يقوم مجلس العشيرة بهذه العملية، وبالتالي فإن نظام الحكم في الدولة الكعبية قد اعترف بسيادة الشعب الأحوازي وحقّه في اختيار حكامه.
مارست الدولة الكعبية اختصاصها القضائي على رعاياها، حيث كانت المنازعات بين الأفراد تُحل بواسطة المحاكم القبلية التي يأمر بتشكيلها أمير الأحواز، وكانت هذه المحاكم تصدر أحكامها وفق ما تقضي به الشريعة الإسلامية والعرف القبلي، ويشمل اختصاصها كافة القضايا المدنية والجنائية، ويعتبر قرارها قطعيا ونهائيا غير قابل للإستئناف إلا في حالة تعلّق النزاع بأفراد من مناطق مختلفة خارج إقليم الأحواز، حيث يكون للمتنازعين في هذه الحالة استئناف قرار الحكم الصادر من المحكمة القبلية لدى أمير الدولة الكعبية الذي يكون قراره قطعياً ونهائياً([11]). ويعتبر تمسّك الدولة الكعبيّة بإختصاصها القضائي على رعاياها دليلاً آخراً على استقلالها.
مارست الدولة الكعبيّة سيادتها في منح الإمتيازات الخاصة باستثمار الثروات الطبيعية على إقليمها، وعلى سبيل المثال: المعاهدة التي عقدت بينها وبين بريطانيا سنة 1902 التي منحت الأخيرة بموجبها (امتياز إقامة مصفاة للنفط في مدينة "عبّادان")([12])، وكانت شركة النفط (تتعامل مباشرة مع الدولة الكعبية وتتجاهل تماماً الحكومة الإيرانية)([13]). كما منحت الدولة الكعبية امتياز الري في "القصبة" على القسم الأسفل من نهر "كارون" سنة 1914 إلى أحد الرعايا الإنكليز.
وكان الجيش الأحوازي يتولى الدفاع عن إقليمه، ويتكوّن هذا الجيش من المشاة والفُرسان والمدفعيّة وقوّات الأسطول البحري، ويتولى أمير الأحواز القيادة العامة لهذا الجيش الذي قسّم إلى فرق وأعطيت قيادة كل فرقة إلى حكام المقاطعات في إقليم الأحواز ليقوم كل منهم بالاستعانة بها في الدفاع عن الإقليم ولحفظ النظام والأمن في المقاطعة التي يتولّى حكمها.
وبالإضافة إلى (قيام الأسطول الأحوازي بفرض سيطرته ورقابته على المياه الإقليمية في الخليج العربي)([14])، فإنّ هذا الأسطول (كان يتولى حراسة نهر كارون في شط العرب)([15])، بواسطة (أثنى عشر مركزاً للحراسة النهرية، وفي كل مركز يوجد زورق مسلّح وعدد من الجنود الأحوازيّين)([16]).
وكانت الضرائب تفرض وتُجبى في إقليم الأحواز بأمر من رئيس الدولة الأحوازية، وكان نظام الجباية يتميز بقلّة تكاليفه وسهولته، فقد كان المواطنون في هذه الدولة كل حسب وارده (يدفع الضريبة المقدّرة عليه إلى رئيس القرية الذي يدفعها بدوره إلى رئيس العشيرة ويقوم هذا الأخير بتسليم حصيلة الوارد من الضرائب إلى حاكم المقاطعة الذي يسلمها بدوره إلى أمير الدولة في الأحواز)([17]).
ويدّل إيراد الضرائب على دقة ونجاح تنفيذ هذا النظام الضريبي ووصل معدّل الإيراد السنوي إلى أربعين ألف جنيه إسترليني في عهد آخر أمراء الأحواز (الشيخ خزعل الكعبي)، ويقول إسماعيل رائين: (لم يكن أمير الأحواز يرسل أيّة عوائد إلى الحكومة الإيرانية، وعندما طالبته بذلك وزارة المالية الإيرانية، قدّم إحتجاجاً إلى الدولة الإيرانية جاء فيه: "مَن هذا الأجنبي الذي يطالبني بالمال"، وكان أن قدّم رضا خان – ملك إيران - اعتذاراً رسمياً إلى الأمير عن سلوك وزارة المالية، ويبيّن نفس الكاتب على أن احتفاظ الدولة الكعبية لنفسها بحصيلة إيراد الضرائب يؤكد استقلالها وحريّتها في مباشرة مظاهر سيادتها)([18]).
· السيادة الخارجيّة
نظراً للإستقلال الذي كانت تتمتع به الدولة العربية في الأحواز، فقد كان من السهل عليها إنشاء علاقات سياسية وتجارية مع الدول الأخرى، حيث عقدت معاهدات عديدة مع دول مختلفة وأقامت علاقات سياسية مع تركيا وإيران والبرتغال وروسيا وانكلترا.
وتؤكد العلاقة التي ربطت الدولة الكعبية بالأقاليم العربية المجاورة استقلال تلك الدولة وحرّيتها في مباشرة مظاهر سيادتها الخارجية، فبالإضافة إلى موقف الدولة الكعبية في أثناء الحرب العالمية الأولى، (هذا الموقف الذي كان له الأثر الملحوظ في خدمة القضية العربية)([19])، فإن تلك الدولة كانت دائماً توفق بين العرب وتجمع شملهم بهدف توحيدهم، ولعلّ مؤتمر الكويت والقرارات التي تمخضت عنه سنة 1916*، والوثائق السرّية البريطانية (37/839/ (F0 التي تناولت أحداث ووقائع مؤتمر الكويت سنة 1916، تبيّن ان "الأمير خزعل" قال في هذا المؤتمر "أنه كان يدعو منذ القديم إلى تشكيل وحدة عربية وأن هذا هو رأيه الذي لا يحيد عنه". ومؤتمر المحمّرة الذي (أنهت فيه الدولة الكعبية النزاع بين العراق والسعودية بمعاهدة 05/05/1922)([20])، لم يكن بالواقع إلا جزءاً من الجهد الذي بذلته الدولة الكعبية في سبيل توحيد العرب. بل (إن الدور الذي لعبه أمير الأحواز– هذه الشخصية العظيمة– كان بداية بالغة الخطورة بالنسبة إلى ظهور الدول والإمارات الحديثة، ومن ثمّ الحركات القومية العربية في حوض الخليج العربي)([21]).
ولعلّ طموحات "خزعل" هذه كانت من أبرز الأسباب التي دفعت ببريطانيا إلى حدّ التفكير بالقضاء عليه وإنهاء حكمه في الأحواز، حيث تحالفت بريطانيا مع إيران لتشن الأخيرة حربها على الدولة الكعبية سنة 1925 وقد انتهت تلك الحرب بانتهاء هذه الدولة العربية وضمّها إلى إيران قسراً وبمعزل عن إرادة شعبها.
انّ الأدلّة التي قدّمناها تشير إلى أن إقليم الأحواز لم يكن خاضعاً للدولة الإيرانية مثلما تدعي الأخيرة، فقد كانت الدولة الكعبية تمارس سيادتها الهادئة والفعلية على الإقليم باستمرار، وقبل الدولة الكعبية كان الإقليم على الدوام يخضع لنظام سياسي وقانوني عربي، ولكن المركز القانوني لهذا الإقليم قد تغيّر سنة 1925 بالإدارة المنفردة للدولة الإيرانية بعد الحرب التي شنّتها في هذه السنة ضد الدولة الكعبية – كما أشرنا -.
ومنذ ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا شهدت القضيّة الأحوازية تطورات عدّة تمثلت في مختلف الممارسات الإيرانية تجاه أرض وشعب الأحواز من جهة، وردّة فعل الشعب العربي الأحوازي من الجهة الأخرى.
([1]). Chesney (Francis R.): Expidition for the survey of the Rivers Euphrates and Tigris, by order of the British Government, London 1850, Vol. II, P:202.
([2]). Wilson (Arnolad T.): The Persian Gulf, London 1959, P:186.
حيث يقول: "لم تخضع الدولة الكعبية في الأحواز لأحد، وبقيت مدة طويلة شوكة في جنب الأتراك والإيرانيين والإنكليز".
([3]). "كسروي تبريزي"، "تاريخ بانصد ساله خوز ستان"، (باللغة الفارسية)، طهران 1954، ص: 180 و 184.
حيث يقول:"استمر استقلال الدولة الكعبية وسيطرتها على إقليم الأحواز بالرغم من المحاولات المستمرة من ملوك إيران لتقويض هذا الاستقلال".
- راجع أيضاً: "محمد رضا شاه" (آخر ملوك إيران من سلالة البهلويين)، (باللغة الفارسية)، رضا شاه كبير، طهران (غير مؤرخ)، ص: 42، حيث يقول: "لم يكن والدي راضياً عن انفصال الأحواز واستقلالها".
*. "الخانات"، هي جمع الـ: "خان"، وهو لقب إحترام يضاف في إيران قبل إسم المرء أو بعده، وهو أيضاً لقب ملوك تركستان، ويعني المنزل.
([4]). "كسروي تبريزي"، "تاريخ بانصد ساله خوزستان"، (باللغة الفارسية)، طهران 1954، ص: 180.
([5]). "تقرير المخابرات البريطانية": -The Arab War, Confidential Information for General Headquarters1916-1920, P: 16.
([6]). B.C.F // CO/696/2 Iraq Administration Reports 1919.-
([7]). "تقرير المخابرات البريطانية"، مصدر سابق، ص: 16.
([8]). "الوثائق السرية البريطانية": FO/602/52, 1910 -
([9]).Harison (Paul w.): The Arab at Home, London 1924, P: 125.
([10]). Lorimer (J.G.): Gazetteer of the Persian Gulf, Oman and Central arabia, Calcutta 1915, Vol.1, p: 1222.
([11]). "تقرير المخابرات البريطانية":1920, P : 17. The Arab war, confidential Information for General Hedquarters 1916--
([12]).Longrigg (Stephen H.): Oil in the Middle East, London 1954 P: 36. -
([13]). "بيربي، جان جاك "، مصدر سابق، ص: 111، حيث يقول: "وحتى بعد الحرب العالمية الأولى، وبالرغم من نشوء سلطة إيرانية قوية حاكمة في شخص رضا شاه بهلوي، إلا أن شركة البترول استمرت في تجاهل حكومة طهران، ولم تتوقف عن التعامل مباشرة مع أمير الأحواز".
([14]). -B.C.F.//Adm/1/7625 State of Affairs a Kuwait 1902 – 1903.
([15]). Candler (Edmund): The Mantle of the East, London 1898,P: 311.
([16]). B.C.F.//FO/195/2020 Her Majesty's Embassy at Constantionople.-
([17]). Wilson (A.T.): The Persian Gulf, London 1959, P: 53
([18]). "إسماعيل رائين"، "فراموشخانة وفرماسونري در إيران"، (باللغة الفارسية)، طهران 1968، ص: 383 .
([19]). Bell (Gertrude): Review of the Civil Administration in Mesopotomia, London 1920, P:1.
*. عقدت بريطانيا في سنة 1916 مؤتمراً في الكويت غرضه تطمين زعماء العرب بأنها ستفي بوعودها لتحقيق الوحدة العربية، ووجهت الدعوة لحضور هذا المؤتمر إلى أمير الأحواز (خزعل) وجابر الصباح أمير الكويت وعبد العزيز آل سعود أمير نجد، وترأس المؤتمر السير برسي كوكس المستشار الخاص للحكومة البريطانية في شؤون الشرق الأوسط.. وفي نهاية المؤتمر أرسل الأمير خزعل وجابر الصباح برقية إلى الشريف حسين في مكة جاء فيها (إن جل قصدنا من هذا الاجتماع هو دعم مسائل الأمة العربية) كما أرسل برقية إلى السير برسي كوكس جاء فيها (أن اجتماعنا في الكويت كان يهدف إلى دعم مسائل الأمة العربية وصيانة حقوقها).
([20]).Diekson (H.R.P.): Kuwait and Her Neighbours, London 1956 , P: 267.
([21]). "د. محمود علي الداود"، "الخليج العربي والعلاقات الدولية"، القاهرة 1960، ص: 13.