الحلقة الرابعة
· المعاهدات وحدود الإقليم
أشرنا سابقاً أن إقليم الأحواز يحدّه من الشرق ومن الشمال سلسلة جبال زاجروس، ومن الجنوب الخليج العربي، ومن الغرب العراق. وكان خط الحدود الشرقية والشمالية باعتراف الدولتين الإيرانية والكعبية (هو ذلك الحائط الصخري الشاهق الذي يتمثل بسلسلة جبال زاجروس)([1]). أما خط الحدود الجنوبية فقد كان يمتد مسافة معينة في الخليج العربي إلى الحد المعترف به دولياً.
وهذا الوضع الجغرافي لإقليم الأحواز باعتباره امتداداً طبيعياً للوطن العربي عموماً والعراق خصوصاً، إضافة إلى الروابط القوميّة التضامنيّة بين الشعبين الأحوازي والعراقي أدّى إلى انعدام الحدود القانونية والفعلية بين هذين الإقليمين حتى وقت قريب. وانعدام الحدود بين العراق والأحواز أثر على الشخصية الدولية لهذين الإقليمين، ومن الأمثلة على ذلك: الحدود بين الهند والباكستان والحدود بين الاتحاد السوفيتي والصين. وإذا كانت معاهدة "أرض روم الثانية"* 1847/05/31 قد حددت الملامح الرئيسية للحدود الغربية لإقليم الأحواز، وكان بروتوكول **1913/11/17 قد فصلها، ولجنة التخطيط قد أنهت أعمالها في 1914/10/26، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن تكون المعاهدة ملزمة على الدولة الكعبيّة التي لم تشارك في أعمالها، كما لم توقع عليها. (وطبقاً للمعاهدة والبروتوكول واللجنة المذكورة، أصبحت الحدود الغربية لإقليم الأحواز كما يلي:
"يمس خط الحدود ضفة شط العرب اليسرى اعتباراً من مصبّه في الخـليج العربي وإلى نقطة تقع على مسافة ميلين نازلاً من قلعة الشيخ خزعل، ومن هذه النقطة تتبع الحدود مستوى المياه المنخفضة لضفة شـط العـرب اليسرى– ضفة جزيرة عبادان- إلى جزيرتين واقعتين أمام المنيوحي، وتأتي مباشرة لتنضم إلى خط المستوى المذكور الذي تتبعه أربع جزر واقعة بين ماوية وشطيط بعد أن تلتف حول هذه الجزر.. وقبل ميناء عبّادان يأخذ الخط وضع الثالوك ولمسافة أربعة أميال.. وبعد أن يتخطّى عبّادان يختلط خط الحدود ثانية مع مستوى المياه المنخفضة وتتبعها بينها وبين الضفة الشرقية.. وبعد أن تحلّ محلة متبعة نفس المستوى تأتي إلى نقطة حيث يبدأ ميناء ومرسى المحمّرة وتعرف هذه النقطة باسم تويدجات وتقع على مسافة 1417 متراً من أبعد نقطة متقدمة من ضفة نهر كارون اليسرى بالقرب من ملتقاه مع شط العرب.. ثمّ يتحول خط الحدود من تويدجات بخط مستقيم في وسط مجرى شط العرب الذي تتبعه بين الضفة الشرقية والجزيرة المسماة أم الرصاص في قسمها الشرقي وأم الخصاصيف في قسمها الغربي إلى أن يصل أمام المدخل الشرقي لنهر الخيين، ويتبع خط الحدود وسط مجرى النهر لمسافة سبعة كيلومترات ثمّ ينحرف بعد المحمّرة متجهاً إلى الشمال بخط مستقيم حيث يأخذ خط الحدود مستوى المياه المنخفضة اعتباراً من نقطة خط الطول 16 و 48 درجة شرقاً وخط عرض 20 و30 درجة شمالاً حيث ينعطف بعد ذلك غرباً مقترباً من القرنة بمسافة أربعة وعشرين كيلومتراً ثمّ يتجه شمالاً مخترقاً هور الحويزة ومعقباً حافات جبال بشتكوه العربية متجهاً نحو الشمال الغربي بموازاة نهر دجلة")([2]).
أما حدود إقليم الأحواز الجنوبية فقد تمّ وفق القاعدة العرفية التي تعارفت الدول أعضاء المجتمع الدولي على قبولها بالنسبة للمياه الإقليمية وبالتالي فإن الأساس القانوني لخط الحدود الجنوبية لإقليم الأحواز يرجع إلى قاعدة عرفية دولية. وبالنسبة لخط الحدود الشرقية والشمالية للإقليم، فما دام هذا الخط قد وضع بالإتفاق بين الدولتين الكعبية والإيرانية، فإن الأساس القانوني لهذه الحدود قد تمثل في اتفاق ورضاء هاتين الدولتين.
ولكن إذا كانت معاهدة "أرض روم الثانية" 1847/05/31 والبروتوكولات التي تلتها في 1911/12/21 و1913/11/04، قد وضعت خط الحدود الغربية لإقليم الأحواز، فان عدم توقيع الدولة الكعبية على هذه المعاهدة قد يثير تساؤلاً عن الأساس القانوني لهذه الحدود، والإجابة عن هذا التساؤل تقتضي أولاً توضيح مدى امتداد آثار هذه المعاهدة على إقليم الأحواز، إذ أنها قد أبرمت بين الحكومة "العثمانية" من جهة و"فارس" (إيران) من جهة أخرى، وذلك بحضور وإشراف كلٌ من "روسيا" التي تقف بجانب فارس، و"بريطانيا" الطامعة بأملاك الدولة العثمانية.
يقول "سليم طه التكريتي": (إن المعاهدة لم تقرّ ضمّ الأحواز إلى سلطات فارس وهي لم تؤثر على الوضع السياسي العام في الإمارة التي بقيت من الناحية الفعلية مستقلة عن حكومة طهران، ولم تعترف الدولة الكعبية ببنود تلك المعاهدة، واعترضت عشائر الأحواز بشدّة على مقرّراتها، خاصة تلك المتعلقة بشط العرب)([3]).
كما أن البرلمان الفارسي لم يتوصّل إلى تصديق المعاهدة، (فأخذت فارس نفسها تطعن بها وتعتبرها غير متوافقة مع طموحها إلى السيطرة على كل شط العرب، والعراق والأحواز على السواء)([4]).
ويقول "شوارزنبرغر": (أن الدولة لا تلتزم بأية معاهدة إلا برضائها وليس للمعاهدة أن تمنح حقوق أو تفرض التزامات قانونية لغير أطرافها.. ولكن الحقوق والالتزامات التي تنص عليها المعاهدة يمكن اعتبارها بمثابة عرض للدولة الغير التي لها حق قبوله أو رفضه)([5]). ويقول "روسيني": (المعاهدة لا تنشئ حقوقاً أو التزامات لدولة ثالثة دون رضاها)([6]). ويؤكد "باري": (بأنه ليس للمعاهدة أن تفرض التزامات على جهة ثالثة ليست طرفاً فيها)([7]).
ويقول "ليستزين": (بالرغم من أن المعاهدة لا تفرض التزامات على الدولة التي لم تقبلها إلا أنه ليس من المستحيل بالنسبة لطرفين أو أكثر في معاهدة أن يمنحوا حقوقاً لدولة ثالثة ليست طرفاً في المعاهدة إذا قبلتها صراحةً أو ضمناً)([8]).
وأكد القضاء الدولي ذلك المبدأ العام في أحكامه العديدة ومنها: حكم المحكمة الدائمة للعدل الدولي سنة 1926 في قضية "المصالح الألمانية فـي سيــلزيا العليا" (German Interests in Polish Upper Silisia Case)، حيث انتهت المحكمة إلى (أن المعاهدة تخلق قانوناً بين الدول الأعضاء ولا يجوز استنتاج أية حقوق لصالح دولة ثالثة)([9]). ومنها حكم المحكمة نفسها في قضية "مصنع شورزو" (Chorzow Factory)سنة 1928 حيث (رفضت المحكمة احتجاج بولندا باتفاقية فرساي للسلام لأنها لم تكن طرفاً فيها)([10]). ومنها حكم المحكمة الدائمة للتحكيم سنة 1928 في قضية "جزيرة بالماس" (The Island of palmas Arbitration) الذي أكدت فيه (أن معاهدة 1898 لا يجوز الاحتياج بها في مواجهة هولندا لأن الأخيرة لم تكن طرفاً فيها)([11]). ومنها حكم المحكمة الدائمة للعدل سنة 1929 في قضية "الإختصاص الإقليمي للجنة الدولية لنهر الأودر"(Territorial Juris diction of the International Commision of the River Oder) الذي نصّ على (عدم التزام بولندا باتفاقية برشلونة 1921 لأنها لم تكن طرفاً فيها)([12]).
ونخلص إلى القول بأن (المعاهدات لن تفرض التزامات على دولة ثالثة ويتوقف نفاذ المزايا والحقوق التي تنص عليها المعاهدات لصالح دولة أخرى، على قبول الأخيرة صراحة لهذه الحقوق والمزايا، كما أن قبول الدولة الثالثة لمزايا وحقوق في معاهدة لم تكن طرفاً فيها لا يعنى أنها أصبحت طرفاً في المعاهدة وإنما يعنى إجازة امتداد آثار المعاهدة (الحقوق والمزايا) إلى إقليم تلك الدولة)([13]).
وإذا كانت معاهدة أرض روم الثانية 1847 قد منحت الدولة الكعبية مزايا عديدة أهمها أنها سلبت من الدولة العثمانية الذريعة التي كانت تتعلل بها الأخيرة للتدخل في إقليم الأحواز بحجة عدم ضبط الحدود، فلعلّ من الممكن قبول امتداد آثار تلك المعاهدة إلى إقليم الأحواز بالنسبة لتحديد خط الحدود الغربية للإقليم، خاصة وأن الدولة الكعبية بالرغم من عدم توقيعها على معاهدة أرض روم الثانية، إلا أنها لم تكن غائبة عن تخطيط حدودها الغربية وفق هذه المعاهدة حيث تمثل قبولها الضمني، بالتسهيلات والمساعدات التي قدمتها إلى لجنة تخطيط الحدود أثناء قيامها برسم الخرائط ووضع العلامات على الأرض. وتمثل قبولها الصريح بإعلانها المستمر بتمسّكها بخط الحدود الذي نصّت عليه معاهدة أرض روم الثانية، (كما ورد في مراسلاتها مع الدول الأطراف في هذه المعاهدة)([14]).
إذاً فان الأساس القانوني لخط الحدود الغربية لإقليم الأحواز، أي المصدر القانوني للمزايا التي حصلت عليها الدولة الكعبية في معاهدة أرض روم الثانية، يستند إلى رضاء وموافقة الدولة الكعبية ويتبع ذلك أن خط الحدود لم يستند إلى معاهدة أرض روم الثانية بقدر ما يعتبر عملاً قانونياً جديداً تمثل بموافقة ورضاء كل من الدولتين الكعبية والعثمانية على هذه الحدود.
والمؤكد أن للدولة الكعبية العديد من الإلتزامات التي ارتبطت بها تجاه الدول الأخرى تعترف بموجبها بالدولة الكعبية، فالاستعمال لتعبير "الدولة الكعبية" لا يعنى حكماً مسبقاً على الدراسة في هذا الباب، وإذا كان الأصل حرية الدولة في مباشرة مظاهر سيادتها الداخلية والخارجية، فإن استقراء الحرية التي تمتعت بها الدولة الكعبية في مباشرة مظاهر سيادتها في إقليم الأحواز سينتهي بنا إلى معرفة ما إذا كان هذا النظام السياسي والقانوني يتمتع بالفعل بعنصر السيادة. (وأن غلبة الصفة العشائرية على نظام الحكم في إقليم الأحواز قبل سنة 1925 لا تعني على الإطلاق أن هذا النظام كان بدائياً أو متأخراً)([15]). ذلك أن القانون الدولي العام يعترف (بحق كل دولة وحريتها في تنظيم واختيار إدارتها ونظام حكمها بالشكل الذي تراه أكثر موائمة لها)([16]).
إذ نشأت الدولة الكعبية في عصر زاد فية اهتمام الدول الأوربية بمنطقة الشرق الأوسط والخليج العربي، كما أن الهدوء النسبي الذي ساد العلاقات الإيرانية العثمانية أدى في الكثير من الأحيان إلى اتفاقهما على تهديد مصالح الدولة الكعبيّة بقصد تحقيق مصالحهما الخاصة. ولهذه الأسباب نلاحظ أن الدولة الكعبيّة ـ حماية لوجودها من الأخطار التي تهددها ـ تقبل مهادنة بعض الدول وترتبط معها بالتزامات تقيّد حريتها في ممارسة مظاهر سيادتها بصورة تتناسب مع خطورة التهديد الموجّه ضدّها.
§ فقرة 2: مشروعيّة الدولة الأحوازيّة
· استقلال الدولة الكعبيّة
لم تكن الدولة الكعبيّة تابعة أو محمية للدولة الإيرانية وذلك للأسباب التالية:
1- عندما هاجمت الدولة العثمانية إقليم الأحواز سنة 1762 و 1826، لم تتدخل الدولة الإيرانية كما أنها لم تعترض على تقدّم الجيش التركي في الأحواز في الحرب العالميّة الأولى بعد أن صرّح السفير التركي في طهران بأن الغرض من هذا التقدم هو (إخضاع الدولة الكعبيّة وأنهم لا يهدفون إلى احتلال أراضي البختيارية في جبال زاجروس)([17]). ولاشكّ أن هذا التصريح وموافقة الدولة الإيرانية ورضائها، يدلّ على أن الدولة الكعبيّة كانت مستقلة ومنفصلة عن الدولة الإيرانية و لم تكن تحت تبعيّتها أو حمايتها.
2- ورد في الرسالة التي وجّهها "كريم خان زند" حاكم فارس سنة 1765 أنه قد انسحب من أراضي الدولة الكعبية، وأن رسالة "كريم خان زند" تدل هي الأخرى على عدم تبعيّه الدولة الكعبيّة إلى الدولة الإيرانيّة.
3- لقد تنازلت الدولة الإيرانية عن أجزاء من إقليم الأحواز ضمن معاهدة "أرض روم الثانية"،1847 فمن غير المنطق أن تتنازل دولة عن جزء من إقليمها لصالح دولة أخرى.
4- (انحازت الدولة الكعبية إلى جانب الحلفاء في الحرب العالمية الأولى، بينما أعلنت الدولة الإيرانية حيادها)([18]). ودخلت القوات البريطانية إلى إقليم الأحواز بناءً على طلب الدولة الكعبية ولم يثر ذلك أي احتجاج، بينما دخول تلك القوات الأراضي الإيرانية، (قد أثار احتجاج ألمانيا والنمسا وهنغاريا وتركيا، التي طلبت سحب تلك القوات من إيران احتراماً لحيادها، بالرغم من أنّها لم تحتج على دخولها إلى إقليم الأحواز)([19]). وقد يؤكد ذلك إنّ الدولة الكعبيّة لم تكن ترتبط بالدولة الإيرانيّة بأيّة رابطة تقيّد سيادتها وحريّتها في مباشرة اختصاصاتها.
5- جاء في رسالة لمكتب الإدارة العامّة للبريد في لندن برقم 742 وبتاريخ 24/09/1915 موجّهة إلى حكومة الهند البريطانية، (أن مكتب بريد مدينة "بوشهر" الإيرانية سيعامل كجزء من مكتب بريد الهند على أساس أن هذه المدينة واقعة تحت الإحتلال البريطاني)([20])، في حين أن مكتب البريد في مدينة المحمّرة لم يعامل على هذا الأساس.
ونخلص إلى أن الدولة الكعبية في الأحواز، لم تكن تابعة أو محميّة للدولة الإيرانية، كما بيّنت الأدلّة والوثائق التاريخية بأن الأولى كانت مستقلة تماماً عن الثانية.
([1]). Chesney (Francis Rawdon): The Expidition for the Survey of the Rivers Euphrates and Tigris, London 1850, Vol. 1, P: 192.
*. راجع النص الحرفي للاتفاقية في الملحق.
**. راجع النص الحرفي للبروتوكول 17/11/1913 في الملحق.
([2]). "جابر إبراهيم الراوي"، "الحدود الدولية ومشكلة الحدود العراقية–الإيرانية"، رسالة دكتوراه، القاهرة 1970، ص: 268،
- "شاكر صابر الضابط"، "العلاقات الدولية ومعاهدات الحدود بين العراق وإيران"، بغداد 1966، ص: 244.
([3]). " التكريتي، سليم طه"، "الصراع على الخليج العربي"، بغداد 1966،ص: 76 .
([4]). "الحسني، عبد الرزاق"، مصدر سابق، ج: 3، لبنان صيدا 1957، ص: 327.
([5]). Openheim (L): cit. PP: 925 – 927.
([6]). Rosenne (S): The Law of Treaties, Leyden 1970, P: 224.
([7]). .Parry (Clive): The Law of Treaties, London, 1968, P : 219
([8]). Lessitzyn (Oliver J.): International Law Today and Tomorrow, New York 1965 , P: 28.
([9]). P.C.I.J. Reports Ser .. A No.7, P. 454.-
([10]). P.C.I.J. Reports Ser .. A No.7, P. 646.-
([11]). Briggs (H.W): The Law of National, Cases Documents and Notes, New York 1952, second edition, P:244.
([12]). -P.C.I.J. Reports Ser A No. 28, P: 59.
([13]). "حقي، عبد المجيد إسماعيل"، مصدر سابق، ص ص: 98 و99.
([14]). Wilson (Arnold T.): South-west Persia, London 1942 pp: 278 ff.
([15]). Lamton (Ann K.S.) Landlord and Peasants in Persia, London, 1953, P : 292.
([16]). Oppenheim (L.): International Law, A Treatise, peace, vol.1. edited by Lauter Pacht (H.), 8th, Edition, 1919, P: 292.
([17]). Moberly (F.J.): The Campaign in Mesopotamia 1914-1918, London 1923, Vol. 1, p: 179.
([18]). Marlowe (John): The Persian Gulf in the 20th Century, London 1962, P: 44.
([19]). B.C.F./WO/157/1250 Persian and Asia Political Reports.-
([20]). B.C.F.//FO/372/70 Persia.-