البـاب الثـاني
تداعيـات القضيـّة الأحـــوازيـّة
الفصل الأول: تطوّر الوضع القانوني لإقليم الأحـواز
الفصل الثاني: التجـاوزات الإيـرانيّة علــى الأحــواز
الفصل الأول: تطوّر الوضع القانوني لإقليم الأحواز
المبحث الأول: مظاهر السيادة في إقليم الأحواز
فقرة1: الملامح السياديّة لإقليم الأحواز
· صفات الإقليم
· عناصره القانونيّة
· المعاهدات وحدود الإقليم
فقرة 2: مشروعية الدولة الأحوازية
· استقلال الدولة الكعبيّة
· سيادة الدولة الكعبيّة
· السيادة الداخليّة
· السيادة الخارجيّة
فقرة 3: الصفات الدولية للإقليم
· الدولة الكعبيّة والدولة العثمانية
· الدولة الكعبيّة والدولة الفارسيّة
· الدولة الكعبيّة والدولة البريطانيّة
المبحث الثاني: الأطماع الإيرانية في المنطقة
فقرة 1: المطالبة الإيرانية بالبحرين
فقرة 2: الحرب الإيرانية على الأحواز
· مدى مشروعيّة الحرب
· موقف القانون الدولي من اكتساب الأقاليم بالحرب
فقرة 3: الإحتلال الإيراني للجزر الإماراتية الثلاث (طنب الكبرى والصغرى و أبو موسى)
الفصــل الأول
تطوّر الوضع القانوني لإقليم الأحواز
تناولنا في الباب الأول من بحثنا الجذور العربية لإقليم الأحواز وكيف أن الفرس قد ظهروا على مسرح الأحداث في الإقليم كقوة أجنبيّة لا تربطها بأرض الأحواز أية صلة ــ سواء من الناحية الجغرافيّة أو التاريخيّة أو الحضاريّة أو الاجتماعيّة ــ وقد لعبت المطامع الكامنة في ذوات سماسرة وتجّار الشعوب في العصور التاريخية القديمة، خاصة وأن أرض الإقليم تميّزت بموقعها الجيوستراتيجي وبوفرة ثرواتها الطبيعية، وغير ذلك من العوامل التي جعلتها مطمعاً للغير. ولكي تكتمل الإحاطة بالموضوع لابد لنا من التطرّق إلى إيجاد حلٍ للقضية (المشكلة) الأحوازية، لذا سنسّلط الضوء في هذا الفصل من دراستنا على الجوانب القانونية لإقليم الأحواز وتطوراتها، من خلال دراسة صفات وعناصر الإقليم من الناحية القانونية ومظاهر سيادته الداخلية والخارجية.
واستعرضنا الظروف التاريخيّة لنشأة القضية الأحوازية، وانتهينا إلى أن الوضع القانوني والشرعي لإقليم الأحواز، لم يخرج عن كونه إقليماً "خاضعاً" لسيادة الدولة الكعبية وأن الدولة الإيرانية قامت بتغيير هذا الوضع بإرادتها المنفردة وبالقوة بعد الحرب التي شنّتها ضد الدولة الأولى سنة 1925.
والتزمنا في دراسة مشكلة إقليم وشعب الأحواز بالمنهج العلمي الذي يقضى تتبع المشكلة منذ نشأتها وتطورها، ثم استقراء واقعها الفعلي في ظل قواعد القانون الدولي واحترام مبادئ حقوق الإنسان، فإنّ تغيير الوضع القانوني لإقليم الأحواز وضمه قسرياً إلى الدولة الإيرانية وبمعزل عن إرادة شعبه مما تسبّب في نشأه المشكلة ــ موضوع البحث – يستلزم بالتالي أن يبدأ بحثنا منذ سنة 1925 ضمن نطاق المنهج الذي التزمنا به.
وإذا كان الهدف من دراستنا التوصل إلى حقيقة القضية الأحوازية بقصد حلّها، فإن التعرّف على مدى مشروعية إسقاط الدولة العربية في الإقليم وضمّه إلى إيران، وتحليل النتائج والآثار التي ترتبت عليه في ظل حكم الأنظمة المتعاقبة على دفة الحكم في إيران، تحليلاً منطقياً، يستدعي التوصّل إلى الوضع القانوني لإقليم الأحواز والتجاوزات الإيرانية التي وقعت عليه، وكذلك الحقوق الخاصة بالشعب العربي الأحوازي وفقاً لما تدّعيه الدولة الإيرانية من جهة، وما يدّعيه الأحوازيون من جهة أخرى.
المبحث الأول: مظاهر السيادة في إقليم الأحواز
تمارس الدولة اختصاصها الشخصي على الأفراد التابعين لها على أساس ولائهم لها وحمايتها لهم، كما تمارس اختصاصها الإقليمي على الفضاء والأراضي الواقعة داخل حدودها وعلى مياهها الإقليمية.
ولكي تباشر الدولة الكعبية على إقليمها وشعبها، تعتمد على مظهرين: داخلي أي السيادة الداخلية، وخارجي أي السيادة الخارجية. (ويمثّل هذان المظهران المعنى السلبي للسيادة وهو عدم خضوعها لسلطة دولة أخرى في الخارج واعتبارها أعلى السلطات في الداخل، والمعنى الإيجابي للسيادة وهو سلطة الأمر والنهي في الداخل وممارسة العلاقات والنشاط الدولي في الخارج)([1]).
أولاً: السيادة الداخلية: وهيOmnipotence
وتعني (السلطان الأعلى غير المقيد للدولة على كل ما يوجد داخل إقليمها من أشخاص وأشياء)([2])، أو هو الحق المطلق للدولة لتقرّر شخصيتها في شكل مؤسساتها لتأكيد وتنفيذ أهدافها وتنظيم سلوك رعاياها على الوجه الذي يحقق الهدف الذي أنشأت من أجله.
ويتمثل هذا المظهر بحريّتها في إختيار حكومتها ونظام الحكم الذي يلائمها وتنظيم حكومتها وتغييرها بالشكل الذي تريده وتنظيم الإدارة، والانتفاع بالمرافق العامة وتحديد ماليّتها، بفرض الضرائب وتحصيلها، وسك النقود وتشريع القوانين وتنفيذها، وإخضاع الأشياء والأشخاص الموجودين في إقليمها إلى سلطانها القضائي.
ثانياً: السيادة الخارجية:
وتعني السلطة العُليا للدولة لكي تقرّر بكل حريّة علاقاتها المتبادلة مع الدولة الأخرى في المجتمع الدولي أو المجموعات أوالمنظمات الدولية دون تدخل أو إشراف من دولة أخرى*. وبقدر هذه الحرية تكون الدولة مسؤولة عن الوفاء بالتزاماتها الخارجية.
وتتمثل مظاهر السيادة الخارجية للدولة في إيفاد وقبول المبعوثين الدبلوماسيين، وفي إبرام المعاهدات الدولية المختلفة، وانضمامها إلى تحالف دفاعي مشترك أو إنشائها علاقات تجارية أو مساهمتها بالاتفاقيات المشتركة بقصد تطوير اقتصادها وأهدافها الإجتماعية.
وبتبني الدول لميثاق الأمم المتحدة، فان حريتها تتقيد إلى مدى بعيد، ويظهر ذلك بوضوح في التزام الدول بعدم اللجوء إلى القوة في علاقاتها المتبادلة واللجوء إلى الوسائل السلمية في حلّ المنازعات الدولية.
§ فقرة 1: الملامح السياديّة لإقليم الأحواز
ان الحديث عن الخصائص السياسية لإقليم الأحواز يجرّنا حتماً إلى التعريف بهذا الإقليم من الناحية القانونية، ولنبدأ بالتعريف لهذا الإقليم:ــ
إقليم الأحواز، هو ذلك النطاق المادي والجزء المُحدّد من عالمنا هذا (بأقسامه الثلاثة: البري والبحري والجوي) حيث استقر فيه شعب الأحواز على وجه الدوام واستمد منه مقومات وجوده والمحافظة على كيانه وانفرد بإدارته وحكمه، ولو لا استقرار هذا الشعب في إقليم الأحواز وتمسّكه بإدارته وحكمه، لما كان بالإمكان وصف الدولة الكعبية بـ:(الدولة) مهما بلغ سموّ نظامها القانوني والسياسي.
فإقليم الأحواز أعطى الدولة الكعبية مقوّمات وجودها الإقتصادي، وهو الحيز المادي الذي انفردت به هذه الدولة وتمتعت ضمن نطاقه بممارسة مظاهر سيادتها الإقليمية والشخصيّة*.
وبالرغم من أن القانون الدولي يعترف للإقليم بأهمية ملحوظة باعتباره عنصراً من عناصر الدولة، إلا أنه لا يشترط لإستيفاء هذا العنصر أن يكون بمساحة معينة**، أو أن يكون مسكوناً بأكمله أو قابلاً للسكنى في كافة أجزاءه***، أو أن يكون وحدة كاملة مترابطة الأجزاء****، ويكتفي القانون الدولي للإعتراف للدولة بهذا الوصف أن يكون إقليمها معيناً وثابتاً حيث استقر الشعب على وجه الدوام، وأنشأ فيه نظاماً قانونياً وسياسياً.
وسيادة الدولة على إقليمها هي بالضرورة حق إنفرادي وقاصر على الدولة وحدها، كما أكدت المحاكم الدولية في أحكامها العديدة ومنها حكم المحكمة الدائمة للعدل الدولي سنة 1927 في قضية "لوتس The S.S. Lotus " الذي نص على (أن من المبادئ الأساسية المقرّرة في القانون الدولي العام "عدم جواز مشاركة دولة معينة لدولة أخرى من اختصاصات على إقليمها إلا بمقتضى قاعدة قانونية مرخّصة لذلك)([3]). وحكم محكمة العدل الدولية في 1949/04/09 في قضية "كورفو Corfu channel " الذي نصّ على (إن احترام السيادة الإقليمية بين الدول المستقلة يعتبر أساساً حيوياً للعلاقات الدولية")([4]).
وإذا كان الأصـل الاعتراف للـدولة بسلطات واسعة على إقليمها فإن الإستثناء هو اجازة تقييدها *بقواعد القانون الدولي الوضعي بالمعاهدات والإتفاقيات أو بالعرف الدولي**، وعموماً فإن سيادة الدولة على إقليمها مقيّدة بوجوب عدم الإضرار بأمن واقتصاد إقليم دولة مجاورة)([5]). فالـدولة تلتزم مثلاً بعدم السماح باستخـدام إقليمها كوسيلة للإضرار بمصالح وأمن دولة أخرى. وتؤكد ذلك بالأحكام العديدة التي أصدرتها المحاكم الدولية ومنها الحكم التحكيمي الصادر سنة 1953 في قضية "Trail Smelter Arbittration" الذي رتّب المسؤولية الدولية على عاتق كندا لتعويض الأضرار التي أحدثتها سحب دخان إحدى المصانع الكندية في تلويث فضاء الولايات المتحدة الأمريكية على أساس أنه وفقاً لمبادئ القانون الدولي، (ليس لأية دولة حق استخدام، أو السماح باستخدام إقليمها بطريقة قد تسبب أضراراّ لإقليم أخرى)([6]).
· صفات الإقليم
صفة الإقليم في القانون الدولي العام لاتخرج عن ثلاثة أنواع([7]): فالنوع الأول: "الإقليم الخاضع لسيادة دولة معينة teritorial sovereiginty"، والنوع الثاني: "الإقليم المباحres nallius*" الذي لا يخضع لسيادة أية دولة، والنوع الثالث: هو "الإقليم المشاعRes communis " الذي يبيح لكل دولة حق مباشرة بعض مظاهر سيادتها دون أن يكسبها ذلك أية حقوق إقليمية.
ويمكننا القول بأن إقليم الأحواز يدخل ضمن النوع الأول، فقد اتصف بكونه ثابتاً حيث أقام فيه شعب الأحوازبهدف الإستقرار في ظلّ نظام قانوني وسياسي تمثل بالدولة الكعبية. كما اتصف بكونه محدداً ومعيناً أيام مملكة عيلام، (واستقرّ بهذا الوصف قروناً عديدة)([8])، ولا يزال بوصفه هذا كسهل رسوبي مُحاط من الجهات الشرقية والشمالية بجبال صخرية عالية (زاجروس)، ومن الجهة الجنوبية الخليج العربي ومن الجهة الغربية شط العرب.
· عناصره القانونيّة
يشمل إقليم الأحواز ذلك الجزء اليابس من الكرة الأرضية الذي يسكنه الشعب الأحوازي فهو يتضمّن سطح الأرض والمرتفعات التي تعلوه والطبقات الواقعة دونه في العمق، كما يشمل أيضاً المسطحات المائية التي توجد داخل ذلك الجزء اليابس، والتي يمكن تسميتها بالمياه الوطنية أو الداخلية. ويشمل أيضاً جزءاً من مياه الخليج العربي الملاصقة لشواطئه، والجزر التي توجد في أنهاره ومياهه الإقليمية.
وإن تشابه عناصر إقليم الأحواز مع عناصر إقليم العراق قد أدّى إلى تقارب هذين الإقليمين وإندماجهما في وحدة جغرافيّة واقتصاديّة وإنسانيّة تنتهي عند حدود جبال زاجروس التي فصلت الجنس "العربي السامي" عن الجنس "الفارسي الآري".
فإقليم الأحواز تكوّن أساساً من الرواسب الطموية التي جلبتها الروافد التي تصب في شط العرب، ولذلك (فإن هذا الإقليم يعتبر مكمّلا وامتداداً لسهول العراق)([9]). ويؤكد ذلك الكاتب الفرنسي "جان جاك بيربي" حيث يقول: (يؤلّف القسم الذي تغسله مياه نهر كارون من الأحواز مع القسم الأسفل من بلاد ما بين النهرين– العراق– وحدة جغرافية واقتصادية...إن الأحواز هي طرف الهلال الخصيب الذي يبدأ عند السهول الفلسطينية وينتهي عندها مارّاً بلبنان وسوريا والعراق)([10]). ويؤيده أيضاً الكاتب الإيراني "كيهان" حيث يقول: (إن الماء والهواء والأرض- وهي عناصر إقليم الدولة- في الأحواز تنطبق مع مثيلتها في العراق)([11]). كما يؤيده الكاتب الإنكليزي "سامب": (يتشابه المناخ في العراق والأحواز ويختلف عنه في إيران)([12]).
([1]).Schwarzenberger (Georg): International Law and Order, London 1971, pp: 60-62.
([2]). Hokworl (Green Haywood): Digest of International Law, Washington 1941, Vol.2, p:1.
*. تجدر الإشارة إلى أن مسودة اتفاقية حقوق وواجبات الدول التي وافقت عليها الجمعيّة العامة للأمم المتحدة في 06/12/1949 نصّت في مادتها الأولى على ذلك.
*. القاعدة التي تقتضي بأن كل شيء وشخص يوجد في الإقليم لابد أن يخضع لسيادة الدولة.
- راجع: Oppenheim (L): International Law, Edited by Lauterpacht (Hersch), London 1958, eighth edition Vol. 1, P: 452.
**. فدولة الإتحاد السوفيتي سابقاً مثلاً مساحتها أضعاف مساحة سويسرا دون أن يكون لفارق المساحة أي تأثير على الشخصية القانونية لأي من الدولتين.
***. فقد تجعل الظروف الطبيعية والجغرافية استحالة سكنى أجزاء الدولة، كالربع الخالي في المملكة العربية السعودية ومنخفض القطارة في جمهورية مصر العربية.
****. هناك دول عديدة في المجتمع الدولي تتفرق أقاليمها في أجزاء عديدة مثل الولايات المتحدة الأمريكية واندونيسيا و اليابان، دون أن يؤثر هذا التفرق على الشخصية القانونية لتلك الدول أو من سيادتها على تلك الأجزاء.
([3]).Bishop (Williamm. w.): International Law, Cases and Materials, Boston 1962, 4th. Edition, P: 450.
([4]).Between independent states, respect for: territorial Sovereignty is an essential foundation of International relations" I.C.J. Reports 1949 P. 35.
*. نص حكم المحكمة العليا في الولايات المتحدة الأمريكية في قضية شونير Schooner Exchange V. Mc Faddon سنة 1912 على أن سيادة الدولة ضمن إقليمها هي بالضرورة سلطات مانعة ومطلقة وأن أي استثناء على هذه السلطة يجب اعتباره راجعاً إلى موافقة الدولة ذاتها. وأن هذه الموافقة مثلما تكون صريحة فقد تكون أيضا ضمنية). راجع : Bishop : Op Cit, P: 443، ونص حكم المحكمة الدائمة في قضية مصايد شمال الأطلس North Atlantie Fisheries Arabitration سنة 1910 على إن أي تحديد على ممارسة الدولة لسيادتها داخل نطاق حدود إقليمها يجب أن يكون مستنداً على اشتراط صريح بذلك).
- راجع: Briggs (Herbert w.): The Law of Nations, Cases Documents anal Notes, New York 1952, Second edition, P: 285.
**. من أمثلة القيود التي تقررت بالعرف الدولي تلك التي تعارفت الدول على تسميتها بحقوق الارتقاء الدولية ومنها حق المرور البريء المقرر للسفن في المياه الإقليمية.
([5]).Bishop (w.w.) Op.Cit.P: 344.
([6]).Under the principles of international Law, no state bas the right to use or permit the use of its territory in such a. manner as to cause injury by fumes in or to the territory of another or the properties or persons therein, when the case is of serious consequence anal the injury is established by clear and convincing evidence.
- راجع: Cheng (bin) : General Principe's of Law as Applied by International Courts and Tribunals, London 1955, P: 130.
([7]).Brownlie (Ian) : Principles of public International Low, Oxford unoversity Press 1966, P: 98
*. يكون الإقليم مباحاً إذا كان خالياً من السكان، أو إذا كان متروكاً من قبل الدولة صاحبة السيادة عليه.
([8]). .Sykes (Percy . M .) Ten Thousanol Miles in Persia, London 1902, P: 245
([9]). Wilber (Danald N.) : Iran Past and Present, New Jersey 1963, P: 6.
([10]). "بيربي، جان جاك"، مصدر سابق، ص: 98.
([11]). "كيهان، مسعود"، "جغرافياي مفصّل إيران"، (باللغة الفارسية)، طهران 1942م، ص: 446.
([12]). Stamp (L. Dudley): The World, London 1929, P: 378.