المبحث الثاني: التوجّه نحو تطبيق الحق في تقرير المصير

 

أشرنا في الفصل الأول من هذا الباب إلى إنتهاج المقاومة الأحوازيّة منذ إحتلال الدولة الإيرانيّة لإقليم الأحواز عام 1925، أسلوب الثورات والانتفاضات الشعبية كشكل من أشكال التعبير عن رفض الوجود الأجنبي في أرض الإقليم، وإبتداءاً من عام 1946 تأسّس أوّل تنظيم سياسي أطلق عليه إسم "حزب السعادة" الذي طالب "بالحكم الذاتي" للأحواز، ثمّ تأسّس تنظيماً آخراً عام 1956 سُمّي "بجبهة تحرير الأحواز"، التي سُمّيت فيما بعد "بالجبهة العربيّة القوميّة لتحرير الأحواز".

 

وطالبت الجبهة "حق تقرير المصير" لشعب الأحواز، ومنذ ذلك التاريخ، وتبنّت هذا المبدأ معظم القوى الوطنيّة الأحوازيّة الأخرى حتّى تاريخ انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، حيث برزت تنظيمات سياسية جديدة في الأحواز على سطح الأحداث، منها من طالب "بالحق في تقرير المصير" كـ: "اللجنة الثقافية الأحوازية" سنة 1982، ومنها من تبنّى مفهوم "الحكم الذاتي" وتطبيقه في الإقليم، كـ: "حركة الشباب العربي الأحوازي" التي تأسّست عام 1984. وبعد ستة سنوات فقط، عاد مبدأ "الحق في تقرير المصير" ليحتل مقدمة مطالب التنظيمات السياسيّة في الإقليم- عدا "حركة التجمع الوطني في الأحواز (عربستان)" التي تأسست عام 1986، و"الحزب الوطني العربستاني" الذي تأسس عام 1990 وأكدا التنظيمان على الحكم الذاتي فقط- ولم يتغيّر هذا المبدأ (الحق في تقرير المصير) بل وحتّى آخر هذه التنظيمات وهو"حزب التضامن الديموقراطي الأحوازي" الذي تأسس عام 2003 كان يطالب بنفس المطلب.

 

وتستند القوى الوطنية الأحوازية، إلى الحماية الدولية لمبدأ "الحق في تقرير المصير"، إذ لا قيمة لمطالبة شعب الأحواز بهذا الحق، ما لم تكن مستندة إلى حق "قانوني مُلزم" يُرتب التزامات وحقوق تجاه الدول والشعوب على حدّ السواء. (فهو يرتب التزاماً تجاه الدول الأعضاء في الأمم المتحدة ويفرض عليها اتخاذ إجراءات منفردة ومشتركة بالتعاون مع المنظمة الدولية للاعتراف بذلك المبدأ للشعوب الواقعة تحت سلطانها، ويرتب حقاً للشعوب بمقتضاه وأن تقرّر وضعها الداخلي والدولي بكل حريّة)([1]).

 

·        القانون الدولي والحق في تقرير المصير

 

     يرجع الحق في تقرير المصير بجذوره إلى الثورتين الأمريكية والفرنسية، (فكان إعلان الاستقلال الأمريكي في 04/07/1776 من المحاولات الأولى لتحديد مفهوم تقرير المصير)([2])، تبعه إعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي في 26/08/1789، وكان للتأثير المادي والمعنوي لهاتين الثورتين*، الأثر الملحوظ في التطبيقات الأولى لتقرير المصير في المجتمع الدولي**.

 

     كانت الإشارات الأولى إلى حق تقرير المصير تصفه باسم تقرير المصير القومي الذي يعني "الاستقلال القومي" الذي يفترض أنه (ما دامت لكل أمة سيادة متأصلة فيها باعتبارها متكونة من اتفاق الإدارات المتقابلة لأفرادها، فإن هذا يعطيها الحق في تشكيل حكومتها الخاصة وفي إنشاء دولة مستقلة، ويستند هذا المفهوم إلى الديموقراطية والقوميّة)([3]).

 

      المفهوم الغربي لتقرير المصير: سلّط الرئيس الأمريكي "ويلسن" الضوء على هذا المبدأ بتأكيده (أن الحق في تقرير المصير ليس مجرّد تعبير لغوي وإنما هو مبدأ قانوني ملزم)([4]). وأعيد تشكيله في المفهوم الغربي منذ نهاية الحرب العالمية الأولى (فأصبح يتضمّن حق أفراد الشعب في اختيار نظام الحكم الخاص بهم وأن يقرّروا وضعهم السياسي والقانوني، ليس على أساس الصراع المسلح، وإنما (بواسطة الاستفتاء الحرّ بهدف الحصول على الحكم الذاتي الديموقراطي)([5]).

 

المفهوم الشرقي لتقرير المصير: أساس المفهوم الشرقي لمبدأ تقرير المصير (أن يكون لكل أمّة حق تقرير مصيرها)([6]), ولذلك يرى بعض الفقهاء الروس كـ: "فيشنسكي" و"تونكين" (ضرورة اعتبار الأمم من أشخاص القانون الدولي)([7]).

 

وفي إشارة إلى مبدأ الحق في تقرير المصير, قال لينين: (يقضي تقرير المصير بحق الأمم في الانفصال عن مجموعات قومية أخرى وتكوينها دولاً مستقلة.. وإذا أخذنا حالة الأمّة المضطهدة, فهل يستطيع الشعب أن يكون حُرّاً إذا كان يضطهد شعوبا أخرى؟.. كلا.. وإن مصلحة الشعب الروسي تقضي بمقاومة مثل هذا الاضطهاد)([8]).

 

         عهد عُصبة الأمم وتقرير المصير: (لم يتضمّن عهد عُصبة الأمم نصّاً واضحاً لمبدأ تقرير المصير)([9]), إلا انه جاء بمبادئ جديدة لا تختلف عن مبدأ الحق في تقرير المصير.

 

         فقد حَرّم عهد العُصبة "الفتح" باعتباره لا يتفق مع حق الشعوب في السيادة على أقاليمها, وأنشأ نظام حماية الأقليات الذي (أوجب المساواة في الحقوق والحريّات بين الأقليّة والأغلبيّة للدولة الواحدة بصورة حقيقيّة و فعليّة Cenuine & effective" ")([10]). كما انشأ نظام الانتداب الذي تتولى بموجبه بعض الدول تحت إشراف "عُصبة الأمم" (مسؤولية تطوير الأقاليم غير المستقلة بهدف مساعدتها لكي تكون قادرة على تحمّل أعباء ومسؤوليات الاستقلال)([11]).

 

         ويرى "د.مفيد محمود شهاب" (إذا كانت عُصبة الأمم قد قيّدت من بعض تطبيقات مبدأ تقرير المصير بسبب الاعتبارات السياسية, فان ذلك لا يرجع إلى ضعف القيمة القانونية لهذا المبدأ في حدّ ذاته, وإنما يرجع إلى ضعف المنظمة الدولية وكونها - رغم اختصاصاتها الواسعة - تنظيم غير فعّال)([12]).

 

ميثاق الأمم المتحدة وتقرير المصير: نصّ ميثاق الأمم المتحدة على مبدأ تقرير المصير في موضوعين هما: المادة الأولى في مقاصد الهيئة ومبادئها: (إنما العلاقات الودية بين الأمم على أساس احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب وبأن يكون لكل منها تقرير مصيرها), والمادة الخامسة والخمسون في التعاون الاقتصادي والاجتماعي: (رغبة في تهيئة دواعي الاستقرار والرفاهية الضروريين لقيام علاقات سليمة وديّة ومؤسّسة على احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب وبأن يكون لكل منها تقرير مصيرها).

 

         وافقت الدول الأعضاء في الأمم المتحدة على قرار الجمعية العامة رقم:1514 في: 14/12/1960, الذي عرّف "الحق في تقرير المصير" على أساس: "أن لكل الشعوب حق تقرير مصيرها, وبقوة هذا الحق لها أن تقرر بحرية وضعها السياسي وتنمية اقتصادها ورقيها الاجتماعي والثقافي". ويشمل هذا التعريف كل الشعوب التي تطالب بهذا الحق, والدليل هو قراري الجمعية العامة للأمم المتحدة: قرار رقم: 637 في: 16/12/1952, وقرار رقم: 2865 في: 20/12/1971.

 

        وتعترف الأمم المتحدة "بالاستفتاء" كوسيلة لممارسة الشعوب لحقها في تقرير المصير وفق شروط عديدة أهمها: أن يتضمن الاستفتاء كقاعدة عامة أكثر من اختيار واحد, وأن يكون منها حق الانفصال وتكوين دولة جديدة, وأن يشمل "الجميع"* على أساس صوت واحد للفرد الواحد, دون تمييز على أساس اللغة أو العرق أو الدين, وأن يتم الاستفتاء في مناخ حيادي ونظامي وقانوني دون أية ضغوط أو تهديدات مادية كانت أو معنوية، بهدف ضمان أن يستطيع أفراد الشعب تقرير مصيرهم بكل حرية دون تدخل أجنبي قد يؤثر على حقيقة إرادته)([13]). ولا ريب أن هذا (يفرض انسحاب القوات المسلحة الأجنبية من الإقليم لإجراء الاستفتاء)([14])، ويفضّل (وجود قوات دولية)([15]). كما يفضّل (إشراف الأمم المتحدة على الإستفتاء ضماناً لحياده وصحة نتائجه، خاصة إذا تعلق الاستفتاء بإجراء تغييرات إقليمية في دولة معينة)([16]).

 

        ويعتبر (مبدأ تقرير المصير في الوقت الحاضر من مبادئ القانون الدولي العام)([17])، لا يمكن الاستغناء عنه لتحقيق العدالة وصيانة السلم والأمن الدولي*.

 

 وإذا كان ميثاق الأمم المتحدة يعترف بتقرير المصير كمبدأ مرتبط بالحقوق المتساوية للشعوب والأمم، التي هي بالتأكيد من مبادئ القانون الدولي فضلاً عن كونه أساسا للعلاقات الودّية بين الدول ويرتبط بوسائل دعم السلم والأمن الدولي، فإن ذلك يعني أن تقرير المصير يعتبر في الوقت الحاضر من مبادئ القانون الدولي العام. كما أن تقرير المصير في الوقت نفسه حق من الحقوق الإنسانية**، بل إنه من الحقوق الدولية التي تضمن لكافة شعوب العالم التمتع في ظله بالحقوق الإنسانية الأخرى([18]).

 

      وعلى هذا الأساس فإن تقرير المصير يرتب التزاماً دولياً قانونياً تجاه كافة الدول الأعضاء في المجتمع الدولي ويستند هذا الالتزام على القانون الدولي، ويقضي الاعتراف بذلك (المبدأ) (الحق) لكافة شعوب العالم دون تمييز.

 

·        تطبيق حق تقرير المصير في الأحواز

 

 بينا فيما سبق أن مبدأ تقرير المصير يقضي بأن كل الشعوب لها الحق في تقرير مصيرها، وهذا يعني أن شعب الأحواز مشمول بهذا المبدأ، وعلى هذا الأساس تمسّكت به غالبية القوى السياسية في الإقليم، ابتداءاً من "جبهة تحرير الأحواز" في سنة 1956، ومروراً بعدد من التنظيمات التي بينّاها في الفصل الأول من هذا الباب، وانتهاءاً "بحزب التضامن الديموقراطي الأحوازي" الذي تأسس عام 2003.

 

     ويرى القانونيين أن القول بإمكانية تطبيق مبدأ تقرير المصير يفترض وجود عنصرين هامين هما: "الشعب" و"الإقليم"، وحسب قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي سبقت الإشارة إليها، أنه لا يجوز تطبيق هذا المبدأ إلا إذا طالب الشعب بتطبيقه. لذلك كان علينا إعطاء صورة عن شعب وإقليم الأحواز كالتالي:

 

     أ- شعب الأحواز: يشمل حق تقرير المصير كل الشعوب التي حرمت من ممارسة مظاهر سيادتها على إقليمها بالقوة غير المشروعة، وبالتالي فإن شعب الأحواز مشمول بحق تقرير المصير لسببين:

 

    1- يخضع هذا الشعب في الوقت الحاضر لسيادة الدولة الإيرانية الفعلية. وقد التزمت هذه الدولة بالاعتراف بحق تقرير المصير واحترام تطبيقه باعتبارها دولة عضو في هيئة الأمم المتحدة.

 

     2- مارس شعب الأحواز مظاهر سيادته على إقليمه بكل حرية حتى سنة 1925، وحرم من ذلك على أثر احتلال الدولة الإيرانية له نتيجة لحرب غير مشروعة.

 

     ب- إقليم الأحواز: هو ذلك الإقليم المعيّن والمحدّد الذي كانت الدولة الكعبيّة تمارس عليه وفي داخل حدوده مظاهر سيادتها حتى سنة 1925، فقامت الدولة الإيرانية باحتلالها خلافاً لقواعد القانون الدولي على أساس:

 

    1- أن (إقليم الأحواز محدّد ومعيّن ومنفصل جغرافيّاً وطبيعيّاً عن إقليم الدولة الإيرانية)([19])، فإنه يمكن تطبيق حق تقرير المصير في إقليم الأحواز.

 

    2- أنه يجب تطبيق حق تقرير المصير في الأحواز كنتيجة حتميّة تترتب على إثر (تغيير الدولة الإيرانية المركز القانوني لهذا الإقليم بصورة غير مشروعة)([20]).

 

ولمزيد من إثراء بحثنا هذا، رأينا من المهم جدّا إيجاد حالة مماثلة (قضيّة مماثلة) للقضية الأحوازية نستشهد بها، لذلك وجدنا من المناسب أخذ "القضيّة الجزائريّة" قبل الاستقلال، للبحث في أوجه الشبه بينها وبين "القضيّة الأحوازيّة"...

 

أولاً: رأت فرنسا بأن كل جزائري يعتبر مواطناً فرنسياً وله حقوق المواطنة الفرنسية. وقد ردّت أغلبية دول الأعضاء في الأمم المتحدة على هذا الإدعاء، بأن الجزائر كانت مستقلة قبل عام 1830 وان فرنسا احتلتها وغيّرت المركز القانوني للإقليم الجزائري دون استشارة سكانه، وأنه بالرغم من المساواة من الناحية النظرية، فإن الجزائريين لم يتمتعوا بحقوق مماثلة للفرنسيين، والدليل أن شعب الجزائر سلك طريق "المقاومة" للتحرير.

 

ولو نظرنا إلى قضية الأحواز، لوجدنا أن كل أحوازي يُعَد مواطناً إيرانياً، له اسمياً كافة حقوق المواطنة الإيرانية. وأن الأحواز كانت مستقلة قبل عام 1925 فاحتلتها الدولة الإيرانية في هذا العام بمعزل عن رغبة وإرادة شعبها، وأن أفراد هذا الشعب لم يتمتعوا فعلياً بحقوق مماثلة للإيرانيين، لذلك سلك شعب الأحواز خيار "المقاومة" للتحرير.

 

ثانياً: أكّد مندوب الدولة الإيرانية – في حينه - اختصاص الأمم المتحدة في النظر في قضية الجزائر على أساس:

 

    - أنها تكشف عن نزاع بين دولتين، باعتبار أن الجزائر كانت مستقلة حتى سنة 1830، وأن الشعب الجزائري كان يتمتع دائماً بالسيادة على إقليمه وأنه لم يفقد هذه السيادة حيث تظلّ كامنة فيه بالرغم من الاحتلال الفرنسي([21]).

 

    - أن رفض النظر في هذه القضية يعد انتهاكاً للمادة الأولى من الميثاق والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، على أساس أنها تؤثر تأثيراً بالغاً على الحقوق الإنسانية الأساسية والعلاقات بين الدول.

 

      وبالنسبة للمشكلة الأحوازيّة نرى أنّ الشعب الأحوازي تمتّع دائماً بالسيادة على إقليمه، (وأنه بالرغم من الإحتلال الإيراني فهو لم يفقد سيادته على إقليمية، وأن التمييز العنصري الذي تمارسه الدولة الإيرانية في حق ذلك الشعب يعد انتهاكاً للميثاق والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ويؤدي حتماً إلى تصاعد المشكلة)([22]).

 

ثالثاً: اعتبرت فرنسا بأن الجزائر كانت جزءاً من إقليمها عندما انضمت الأولى إلى الأمم المتحدة*. وقد رفضت أغلبية الدول الأعضاء في الجمعية العامة هذا الادعاء على أساس أن الجزائر لم تنظم قانونياً أو فعلياً إلى فرنسا.

 

والقراءة الدقيقة لمشكلة الأحواز، تبين لنا أنه بالرغم من أن الدولة الإيرانية كانت تمارس مظاهر السيادة على إقليم الأحواز عند انضمام الأولى إلى الأمم المتحدة، إلا أن الأحواز لم تنظم قانونياً إلى الدولة الإيرانية، كما أنها لم تنظم إليها فعلياً، على أساس:

 

      - لا يزال شعب الأحواز يحتفظ بشخصيته العربية التي تميّزه عن الشعب الإيراني.

      - إقليم الأحواز لا يزال منفصلاً من الناحية الجغرافية والطبيعية عن الإقليم الإيراني.

 

رابعاً: رأت فرنسا أنها بذلت جهودها في تحسين ظروف معيشة الشعب الجزائري، وأن الجزائر أحرزت تقدماً في مجالات عدّة بفضل مساعدتها. وقد رفضت أغلبية الدول الأعضاء في الجمعية العامة هذا الإدعاء، على أساس أن فرنسا تتّبع سياسة الإبادة وتهدف إلى إفقار الشعب الجزائري ثقافياً واقتصادياً وتسعى إلى فصل الجزائر عن الدول العربية.

 

 وبالنسبة لمشكلة الأحواز, فأنه لا يمكن القول إطلاقاً بأن الدولة الإيرانية بذلت جهودها في تحسين معيشة الشعب الأحوازي, فواقع الحال يؤيد ذلك تماماً, ومن الواضح أن الدولة الإيرانية تتّبع سياسة الإبادة بتحريمها استعمال اللغة العربية في إقليم الأحواز وإتباعها سياسة صهر شعب الأحواز في الشعب الفارسي الإيراني بالقوّة بهدف قطع روابط الأحواز بالدول العربية الأخرى.

 

خامساً: إدّعت فرنسا بأن مصر تمد ثوار الجزائر بالسلاح, وأن هؤلاء تسبّبوا في قتل المدنيين, وقد رفضت أغلبية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة هذا الإدعاء, على أساس أن قضية الجزائر ليست مشكلة عربية أو جزائرية، بل إنها عالميّة لأنها تخرج عن كونها استعمار دولة لدولة أخرى,  وأن من حق ثوار الجزائر أن يحصلوا على المعونات من مصر أو من أي بلد آخر.

 

      وفي نظرة إلى المشكلة الأحوازية نجد أن بعض الدول العربية – مثل العراق - قد ساعدت ثوّار الأحواز المطالبين بحق شعب الأحواز في تقرير مصيره, وأن هذه المطالبة أخذت شكل تنظيم ثوري مدني وعسكري على غرار تنظيم جبهة التحرير الجزائرية. ولأن كان إقليم الأحواز مستقلاً حتى سنة 1925 حيث غيّرت الدولة الإيرانية مركزه القانوني بصورة غير مشروعة نتيجة للحرب التي شنّتها ضد الدولة الكعبيّة, فإن القضيّة الأحوازيّة لا تخرج هي الأخرى عن كونها استعمار دولة لدولة أخرى.

 

      ويترتب عن هذه المقارنة، النتائج التالية:

 

أ- (إن إخضاع شعب الأحواز للسيطرة الإيرانية الأجنبية)([23]) يعتبر إنكاراً لحقوق الإنسان الأساسية ومخالفاً لميثاق الأمم المتحدة (ويقف عائقاً أمام تقدم سلام العالم والتقدم الدولي)([24])، وأن عدم اعتراف الدولة الإيرانية بحق تقرير المصير للشعب الأحوازي يعني: (خرقاً للتعهد الذي التزمت به وفقا للمادة 56 من الميثاق وإعلان منح الاستقلال الصادر من الجمعية العامة سنة 1960)([25]).

 

ب- ليس للدولة الإيرانية أن ترفض السماح لشعب الأحواز في أن يقرر مصيره بحجة أن ذلك يعتبر من الأمور الواقعة ضمن اختصاصها الداخلي*، لأن الوجود الإيراني في إقليم الأحواز يرجع أساساً إلى خرق متعمّد للقانون الدولي العام**، وبالتالي فليس للدولة الإيرانية الحق بالتمسك بالاختصاص الداخلي لمنع تمتع شعب الأحواز بحقه في تقرير المصير، خاصة أن هذا الاختصاص مبني على سبب غير مشروع وهو الإحتلال.

 

   إن الدولة الإيرانية نفسها لا تمارس اختصاصاتها بكلّ حريّة، فهي مقيّدة بقواعد القانون الدولي والعرف والمعاهدات الدولية، (لذا فان ممارسة هذه الاختصاصات تكون مقيدة ضمن حدود معينة مسموح بها)([26]) وتعهّدت الدولة الإيرانية وفق المادة 56 من ميثاق الأمم المتحدة باتخاذ ما يلزم لضمان احترام حق تقرير المصير، (ويعني هذا التعهد والالتزام الدولي تقييد اختصاصاتها وأنه ينطبق على كل الشعب الواقع تحت سلطانها)([27]).

 

  ج- أن القمع المسلّح الذي تمارسه الدولة الإيرانية تجاه مطالب شعب الأحواز بحقه في تقرير مصيره،  يعتبر أمراً مُدان من قبل قواعد القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة التي تعترف بمشروعية استخدام الشعوب للقوّة من أجل التمتع بحقها في تقرير مصيرها، وتعتبر أية محاولة لمنع هذه الشعوب من التمتع بذلك الحق، أو المطالبة به مخالفة قانونية تعرّض تلك الدولة للمسؤولية الدولية.

 

       د- وعن مدى مشروعية المساعدة والمساندة العربية لثوار الأحواز- حتى وان كانت خجولة- فإنها لا تخرج عن كونها تعبّر عن إن إقليم الأحواز هو جزء من الأمّة العربية وان واجب التضامن العربي يستدعي ذلك، ومن الأمثلة على ذلك يمكننا الإشارة إلى: تقديم المساعدات المادية والمعنوية التي تمنحها البعض من الدول العربية إلى ثوّار المقاومة الفلسطينيّة ضدّ الاحتلال الإسرائيلي، وغلق سفارتي إيران في كل من تونس ونواكشوط أثناء الحرب الإيرانية- العراقية (1980-1988)، تنفيذاً لما نصّ عليه ميثاق جامعة الدول العربية القاضي بالدفاع العربي المشترك.

 

     ويعتبر بعض القانونيين (أن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم: 2105 في: 20/12/1965 بمثابة دعوة صريحة للدول كافة، لمساعدة حركات التحرر الوطني من أجل القضاء على أنظمة التمييز العنصري وضمان حق الشعوب في تقرير مصيرها)([28]). ويقول الكاتب "براونلي": (يعتبر التدخل لقمع حركات التحرر الوطني أمراً غير قانوني بينما يعتبر مساعدة هذه الحركات أمراً قانونياً)([29]).

 

 وإذا كانت بعض الدول العربية قدّمت شيئاً من المساعدة إلى"حركة التحرير الوطني الأحوازي" من أجل دعم قدرتها في المطالبة بحق شعب الأحواز في تقرير مصيره، فإن ذلك يدل على:

 

     1- يمكن اعتبار هذه المساعدات كمظهر من مظاهر الرفض الدولي للوجود الإيراني في إقليم الأحواز، وتؤكد عدم قبول المجتمع الدولي لنتائج وآثار تصرف الدولة الإيرانية المخالف للقانون الدولي.

 

 -2    تعترف الأمم المتحدة بحق "حركات التحرّر الوطني" في استعمال "القوّة" من أجل تأكيد مطالبتها بحقها في تقرير مصيرها، وتبيح لها من أجل دعم هذه المطالبة، أن تتلقى المساعدات المختلفة مادية كانت أو معنوية من أية جهة كانت بل أن المنظمة الدولية في العديد من قراراتها طلبت من الدول الأعضاء تقديم المساعدات إلى الحركات التحررية التي تكافح من أجل تقرير مصيرها*.

 

3- أن الدول العربية لا تستهدف بمساعدتها إلى "حركة التحرر الوطنية الأحوازية"، التدخل في الشؤون الداخلية للدولة الإيرانية، وإنما تقصد بها دعم قدرة شعب الأحواز في المطالبة بحقه في تقرير المصير. أي تعزيز موقف شعب الأحواز المستند إلى حق قانوني في وجه مخالفات قانونية ترتكبها الدولة الإيرانية وإنكارها المتعمّد للحقوق والحريات الأساسية لشعب الأحواز.

 

وبمناسبة مؤتمر القمة العربية الحادي عشر في العاصمة الأردنية "عمّان"، حين عقد الرئيس العراقي السابق "صدّام حسين" مؤتمراً صحفياً في 27/11/1980، بحضور ولي العهد الأردني الأمير حسن، أوضح فيه موقف العراق من القضية الاحوازية ومستقبلها، عندما أجاب على سؤال يتعلق بالموضوع: (إنّ الذي يقرر مصيرها النهائي وكيف تكون هو شعبها، ولذلك فان الحديث عن هذا الموضوع بدون إرادة شعب المنطقة ربما يكون تجاوزاً على إرادته)([30]).

 

يقول الكاتب "د. عبد المجيد إسماعيل حقي" (إن الدولة التي فيها أكثر من 95% من مواطنيها من أمة واحدة تسمّى الدولة القوميّة. أما الدولة التي فيها نسبة كبيرة من السكان يتبعون قومية أو قوميات أخرى غير التي تتبعها الأغلبية من المواطنين فتسمّى الدولة متعددة القوميات)([31]). وحسب هذا التعريف يمكن اعتبار إيران أنها دولة متعددة القوميات على أساس ضمّ هذه الدولة للقومية "الفارسيّة"، "الآذرية التركيّة"، "الكرديّة"، "العربيّة" - في إقليم الأحواز- "التركمانيّة"، "البلوشيّة"، "البختيارية"، و"اللوريّة"، شرط أن تمنح الدولة الإيرانية كافة الحقوق المدنية والحريات السياسية لأبناء هذه القوميات وفقاً للطرق الديموقراطية، وعليها أن تبدأ أولاً بتغيير اسمها من"إيران" إلى تسمية أخرى تتلاءم مع وضعها وواقعها كدولة متعدّدة القوميات، إذ أن هذه الدولة قد سُمّيَت "بإيران" عام 1936 نسبة إلى العرق "الآري" الذي تنحدر منه القومية الفارسية، حيث كانت تدعى "فارس" أو "بلاد فارس"، كما أشرنا في المبحث الأول من هذا الفصل.

 

يرفض القانون الدولي تطبيق فكرة الدولة متعددة القوميات حين يُقصَد بها حرمان الشعوب من شخصيّتها القوميّة وإخضاع الأقليّة لاضطهاد الأغلبيّة في تلك الدولة**. ويؤكد واقع المجتمع الدولي على أن الأقلية ترغب دائماً في الانفصال عندما تواجه باضطهاد الأغلبية. ففي "الهند" مثلاً: نرى بعض الولايات الهندية التي قامت بمحاولات مستمرّة للانفصال عنها، وفي "بريطانيا" نرى إصرار "الكاثوليك الأيرلنديين" على الإنفصال عنها والانضمام إلى جمهورية "ايرلندا"، وفي "الباكستان" رأينا أن "البنغاليين" رفضوا العيش ضمن دولة واحدة (الباكستان) مع "البنجابيين" فانفصلوا عنهم بدولة "بنغلادش".

 

وفي غياب الروابط القومية والجغرافية والتاريخية والاقتصادية، قد يكون من الصعب توافق الأمم المختلفة وتعايشها معاً ضمن دولة واحدة، وقد حكم البعض على فكرة الدولة متعددة القوميّات بأنها فاشلة وغير صالحة للتطبيق إطلاقاً. (تقوم القومية في الدول متعددة القوميات بدور عدواني ضد حقوق الأمم الأخرى خاصة في اضطهاد الأغلبية للأقلية)([32]).

 

ولو نظرنا إلى الواقع الفعلي للأحواز ومدى إمكانية تطبيق فكرة الدولة متعددة القوميات في هذا الإقليم ضمن الدولة الإيرانية، فإننا سنصطدم بالعديد من الحقائق التي من شأنها أن تعيق هذه الفكرة، ذلك لأن الدولة الإيرانية عوضاً عن أن تقوم بإشراك شعب الأحواز في الحكم لتمد الجسور – من خلال هذه القومية العربية ــ بينها وبين 22 دولة عربية مسلمة لبناء علاقات تقوم بالأساس على الثقة المتبادلة وحسن الجوار، قامت هذه الدولة بهدم كافة الجسور بين الشعب الأحوازي وبين الدولة المركزية في طهران.

 

وإذا كان الواقع الجغرافي والطبيعي يفصل بين إقليم الأحواز وإقليم الدولة الإيرانية الذي أثر بدوره على انعدام الروابط التاريخية والاقتصادية والاجتماعية، فان ذلك يبدو معكوساً تماماً بالنسبة للوطن العربي وإقليم الأحواز الذي يشكل امتداداً طبيعيا لهذاً الوطن.

 

أما اقتصادياً، فبالرغم من أن النفط الأحوازي يكاد يكون المموّل الرئيسي لعمليات التنمية في إيران*، إلا أن غالبية المصانع تتركز خارج إقليم الأحواز، بالإضافة إلى أن الأفضلية تُعطى للفرس على حساب العرب في إقليم الأحواز بحيث أصبح الفرس هُم أصحاب الأعمال ورؤوس الأموال ويسيطرون على كافة مجالات الخدمات والإنتاج في الإقليم اقتصادياً وسياسياً، في حين أن العرب أصبحوا يشكلون الطبقة الضعيفة المستغلة في الإقليم. الأمر الذي يتعارض أساساً مع فكرة الدولة متعددة القوميات ويناقض حق الشعوب في تقرير المصير.

 

ومن العوامل الأخرى التي من شأنها أن تعيق فكرة الدولة متعددة القوميات، نجد العامل القومي أو الاختلاف القومي، فالشعب الأحوازي شعب "عربي سامي"، والشعب الإيراني "شعب فارسي أري"، ويترتب على ذلك اختلاف اللغة والثقافة فضلاً عن اختلاف المصالح والأهداف القومية.

 

ويلي ذلك السلوك الرسمي الإيراني الذي يتسم بالاضطهاد الحاد والقمع الشديد والتمييز العنصري الواضح في كافة مجالات الحياة والمعيشة لشعب الأحواز، وتنكر الدولة الإيرانية على هذا الشعب حقّه في تقرير مصيره ويتعرّض أفراد الحركة الوطنية الأحوازية والناشطين السياسيين المستقلين والصحفيين العرب إلى المطاردة والتنكيل وغالباً ما يكون مصيرهم الإعدام أو السجن المؤبد أو الأحكام القاسية، إضافة إلى مصادرة أموالهم وأموال عوائلهم المنقولة وغير المنقولة.

 

        وأمام السياسة الإيرانية وسلوكها هذا، يبدو من المستحيل على شعب الأحواز قبول التعايش مع الفرس في دولة متعددة القوميات ضمن الدولة الإيرانية. وفي تقرير للمسؤوليين السياسيين والأمنيين في إيران([33])، نشرته فصليّة الدراسات الإستراتيجية، وردت النتائج التالية لعملية استطلاع للرأي العام الأحوازي، وهي:

 

- مدى تفضيل عرب الأحواز الحياة في إيران، النسبة = 3.47%.

- مدى استعدادهم للدفاع عن إيران في حال تعرّضها لهجوم أجنبي، النسبة = 3.6%.

- مدى تقبّلهم لإيران كوطن النسبة = 3.45%.

- الرغبة في التزاوج مع غير العرب، النسبة = 1.22%.

- الرغبة في التجاور مع غير العرب، النسبة = 1.64%.

- الرغبة في إقامة علاقات اجتماعية مع غير العرب، النسبة = 1.3%.

- الرغبة في مشاركة غير العرب في المواطنة، النسبة = 1.55%.

- الرغبة في التزامل مع غير العرب، النسبة = 1.65%.

- الرغبة في العيش في مناطق غير عربية داخل إيران، النسبة = 1.81%.

 

وإذا كانت هذه النتائج قد أذهلت المسؤوليين الإيرانيين، فعليهم إذاً، ان يتحمّلوا كامل المسؤوليّة عن سياساتهم العدوانيّة والخاطئة تجاه شعب الأحواز. ولولا إتباع الأنظمة المتعاقبة على دفة الحكم في إيران منذ عام 1925 حتى الآن، أساليب منافية للحقوق الإنسانية المتعارف عليها دولياً، لما ظهرت هذه النتائج والنسب المتدنية جدّاً بعد مرور قرابة ثمانية عقود من الزمن على الاحتلال الإيراني للأحواز، وإذا دلت هذه النتائج على شيء فإنما تدلّ حتماً على رفض الشعب الأحوازي للوجود الإيراني الأجنبي على أرضه، كما انها تدلّ على مدى تمسّك هذا الشعب في حقه بتقرير المصير.

 

 

الإسـتـنـتـاجــات

 

      من الواضح أن السمة البارزة في المجتمع الدولي في الوقت الحاضر، أنّ غالبيّة الدول تتجه إلى تسوية منازعاتها الدولية والداخليّة بوسائل التسوية السلميّة وفقاً لميثاق الأمم المتحدة والمعاهدات الدولية، الأمر الذي يمنح الدراسات والبحوث العلمية - لتحليل المشاكل والقضايا الدوليّة العالقة -  أهمية خاصّة، بإعتبار ان هذه الدراسات ــ بطبيعتها الحياديّة والتزامها بمنهج البحث العلمي – تقدّم تحليلاً سليماً يوضّح أصل تلك القضايا وأبعادها المختلفة، مما يسهّل علينا فهم جوهر الخلاف بين أطراف النزاع، وهي خطوة في محاولة التوصّل إلى التوصّل إلى حقيقة المشكلة في ضوء مبادئ الأمم المتحدة ومقاصدها.

 

      وإذا كان المجتمع الدولي يشكوا من الفوضى التي يمكن ان تعود بالأساس إلى التقليل من أهمية دور الأمم المتحدة في حل المشاكل الدوليّة، والتمسك بالواقع الفعلي الذي يفرض وجوده المادّي على حساب القواعد القانونيّة الدوليّة، فان ذلك فرض علينا عبئاً إضافياً عند دراستنا للقضايا الدوليّة، باعتبار ان هذه الدراسة تناولت قضيّة دوليّة "القضية الأحوازية"، في ضوء الأمر الواقع الذي فرضته الدولة الإيرانيّة على إقليم الأحواز من ناحية، وتأكيد دور القانون في بناء المجتمع الدولي على أسس من النظام والعدل والمساواة من ناحية أخرى. كما هدفت دراستنا إلى الوقوف في وجه المحاولات التي يراد بها تحويل هذا المجتمع إلى غابة تتغلب فيها عوامل العنف والقوة، وتسود الدولة القويّة فيها الدولة الضعيفة وتخضعها لتحكمها وتستعبد شعبها.

 

     وبناءاً على ما تقدم، فإننا نستطيع القول ان دراستنا لم تكن مجرّد بحث في نزاع قانوني يستلزم تقليب وجهات النظر المختلفة لأطرافه فحسب، وإنما هي أيضاً محاولة- نأمل ان تكون ايجابية جدّية- للمساهمة في فهم جوهر قضيّة دوليّة مستعصيّة تسببت- ولا تزال- في إثارة النزاع وتعكير العلاقات ليس بين الأحواز وإيران فحسب، بل ألقت بظلالها كذلك على العلاقات العربيّة - الإيرانية. ومن هذا المفهوم فقد عمدنا ــ ضمن إطار المنهج العلمي الحيادي ــ إلى تلمّس حقيقة القضيّة الأحوازيّة، بقصد التوصل إلى فهمها في ضوء مطالب شعب الأحواز، وما تفرضه الدولة الإيرانيّة من أمر واقع على إقليم وشعب الأحواز، وما يتطلع إليه القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة من مقاصد وأهداف.

 

      وإذا كانت هذه القضيّة الدوليّة "القضيّة الأحوازيّة" تنبع أساساً من تواجد الدولة الإيرانيّة الفعلي والمادّي في إقليم الأحواز، فقد بحثنا تفصيلاً في هذا التواجد ومدى مشروعيته، وقمنا بتحليل الآثار والنتائج التي ترتبت عليه في ضوء قواعد القانون الدولي، وقلبنا وجهات النظر المختلفة والآثار السلبيّة التي يفرزها إستمرار الوضع الراهن في إقليم الأحواز، وركزنا في دراستنا على حق شعب الأحواز فيما يختاره من أساليب تعبّر عن رفضه للتواجد الإيراني غير المشروع ــ على حدّ زعم هذا الشعب ــ وقد تمثلت هذه الأساليب "بالمقاومة" تارة، وبالمطالبة "بالحكم الذاتي" أو "الحق في تقرير المصير" تارة أخرى. وقدّمنا لهذه الدراسة كلها خلفية تضمّنت الأهميّة الجيوستراتيجيّة والجيوسياسيّة لإقليم الأحواز، واستعرضنا مختلف مراحل التطور التاريخي التي مرّت به منذ العصور التاريخيّة الأولى حتى سنة 1925.

 

     وفي النهاية قادنا البحث إلى الإقتناع بان القضيّة الأحوازيّة نشأت إبتداءاً بوجود الدولة الإيرانيّة غير المشروع في هذا الإقليم، والتي قامت بتغيير مركزه القانوني بإرادتها المنفردة نتيجة الحرب العدوانيّة التي شنّتها سنة 1925 ضد الدولة الكعبيّة، حيث ضمّت هذا الإقليم إلى أراضيها خلافاً لقواعد القانون الدولي، تلك القواعد التي أكدت تحريم الحرب العدوانيّة منذ "عهد عُصبة الأمم". وليس بالإمكان قبول إستمرار بقاء الوضع الراهن في إقليم الأحواز، باعتبار ان ذلك يؤدي إلى زيادة تعقيد المشكلة بسبب السلوك الذي تمارسه الدولة الإيرانيّة في الإقليم والمبني أساساً على التمييز في المعاملة بين الفرس المهاجرين إليه، وبين العرب المقيمين به، والمحاولات الإيرانيّة الجادّة لمحو الهويّة العربيّة لإقليم وشعب الأحواز، وإنكار كافة الحقوق الإنسانيّة لهذا الشعب وعلى وجه الخصوص حقه في التمتع "بالحكم الذاتي" أو في "حق تقرير المصير" الذي التزمت الدولة الإيرانيّة بإحترام كلا الاثنين وفق نصوص ميثاق الأمم المتحدة وقرارات الجمعيّة العامّة ذات الصلة، وبالتالي فأنّ الحلّ الأمثل لهذه القضيّة الدوليّة يمكن أنْ يكمن في التزام الدولة الإيرانيّة بتنفيذ قواعد القانون الدولي وإحترامها لتطلعات وآمال شعب الأحواز البالغ عدده قرابة خمس ملايين نسمة، بإعتبار أنّ ذلك سيؤدّي حتماً إلى نسيان مخلفات الماضي واستتباب السلم وتحقيق الإستقرار في المنطقة.

 

     ولعلّ من الضروري أن نخرج باستنتاجات نوضّح الحقائق التي انتهينا إليها في هذا البحث:

 

    أولاً: كان النظام القانوني والسياسي في إقليم الأحواز قبل سنة 1925 يمثل ما يسمّى بالدولة في لغة القانون الدولي على أساس:

 

1-     انطباق مفهوم الشعب في القانون الدولي على شعب الأحواز.

2-      اختصاص شعب الأحواز بإقليم معيّن محدّد وثابت.

3-      تتمتع الدولة الكعبيّة- وسبقتها الدولة المشعشعيّة- بمباشرة مظاهر سيادتها بكل حريّة واستقلال على شعب وإقليم الأحواز.

 

    ثانياً: إنّ تغيير المركز القانوني لإقليم الأحواز سنة 1925 قد وقع بصورة غير مشروعة خلافاً لقواعد القانون الدولي التي كانت سارية في ذلك الحين، لسببين هما:

 

       أ- بالرغم من أن عهد عُصبة الأمم لم يحرّم الحرب تماماً، إلا أنّه اشترط للقول بمشروعيّتها إستيفاء شروط شكليّة تستلزم إستنفاذ وسائل التسوية السلميّة للمنازعات الدوليّة، وهي: الإلتجاء إلى التحكيم أو القضاء الدولي أو مجلس العُصبة. وبعدم التزام إيران بهذه الشروط، فإنها قد قدّمت دليلاً قاطعاً على أن حربها ضد الدولة الكعبيّة عام 1925، تعد غير مشروعة وتشكل خرقاً صريحاً لنصوص العهد.

 

ب- حرّم "عهد عُصبة الأمم" في مادّته العاشرة إكتساب الأقاليم بالفتح. وإذا كانت الدولة الإيرانيّة قد شنّت حربها سنة 1925 ضد الدولة الكعبيّة أصلاً بهدف ضمّ إقليم الأحواز إلى أراضيها، فإن هذه الحرب تعد حرباً عدوانيّة محرّمة، وليس للدولة الإيرانيّة الإستناد إلى حرب غير مشروعة في الإدعاء بأية حقوق إقليميّة في الأحواز.

 

       إن احتلال الدولة الإيرانيّة للأحواز، يعبّر بوضوح عن أطماع إيران في زيادة نفوذها في المنطقة، والرغبة في التوسّع حتى وان كان ذلك على حساب الآخرين، والدليل على ذلك هو المطالبة الإيرانيّة بالبحرين وإحتلالها للجزر الإماراتيّة الثلاث (أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى).

 

        وإنّ دّعاء الدولة الإيرانيّة بالحق التاريخي على أساس أن إقليم الأحواز كان خاضعاً للحكم الإيراني قبل الفتح الإسلامي)(