الجمهورية التونسيّة
وزارة التعليم العالي
جامعـة تونـس المـنار
كليّة الحقوق والعلوم السياسيّة بتونس
|
|
رسالة لنيل شهادة الدراسات المعمّقة في العلوم السياسيّة

إعداد: الطالب إشراف: الأستاذ العميد
عبّاس عساكرة د. شفيق سعيّد
السنة الجامعيّة
2003 ـ 2004
إهــــــداء:
إلـــى كــل الشعـــوب المـضـطــهدة والـواقـعـة تحــت نيـر الإستعــمار وظلــم وإستبداد الإحـتـــلال، وفي مقدّمتها:
"الشــعب العربي الأحــوازي"
غالباً ما تؤدّي رابطة الجوار إلى إرتباط الدول والشعوب المتجاورة فيما بينها بعلاقات مبنيّة على الود والتفاهم والتعاون المشترك. ولكن هذه الرابطة نفسها وبرغم جذورها التاريخيّة الموغّلة في القدم، خلقت بين الأحواز وإيران مشكلة حقيقيّة استعصت على الحلّ وكانت دائماً من الأسباب التي تثير النزاعات بين شعبين، أولهما الشعب العربي الأحوازي والثاني هو الشعب الفارسي الإيراني.
وقد فرضت القضيّة الأحوازيّة نفسها كعامل مثير للنزاع في المنطقة، وألقت بظلالها ليس على العلاقات الإيرانيّة - الأحوازيّة فحسب، بل امتدت لتشمل حتّى العلاقات الإيرانيّة - العراقيّة، إضافة إلى تأزّم العلاقات بين إيران وبعض الدول العربيّة التي حاولت تبنّي أو طرح القضيّة الأحوازيّة من حيث المبدأ. لذا فان وجودها يؤثر حتماً على العلاقات الوديّة بين إقليمي الأحواز وإيران، ويؤدي تطوّرها في الكثير من الأحيان إلى وقوع إشتباكات بسبب ما يتقدّم به الشعب الأحوازي من مطالب لنيل حريّاته الأساسيّة، والأسلوب الذي تستخدمه الدولة الإيرانيّة للتعامل مع هذه المطالب. لذا فان القضيّة الأحوازيّة أحوج ما تكون إلى التحليل والدراسة.
واستقراء المجتمع الدولي في الوقت الحاضر يؤدي إلى ملاحظة هامّة وهي أن الصفة الغالبة في العلاقات الدوليّة الميل إلى حلّ النزاعات والمشاكل المعلقة بالوسائل السلميّة تحقيقاً لمصلحة المجتمع الدولي في السلم والأمن والاستقرار، ومن هنا تظهر أهميّة البحوث العلميّة واضحة، فبإخضاع المشاكل الدوليّة للدراسة والتحليل إنما تساهم في المزيد من فهمها، ولذلك فلم يكن الهدف من إختيارنا لموضوع "القضيّة الأحوازيّة" أن يكون مجرّد بحث يقدّم لنيل شهادة في الدراسات المعمّقة (Diplome Des Etudes Approfondies) في العلوم السياسيّة فحسب، وإنما الدافع الأساسي وراء هذا الإختيار أن نساهم في فهم قضيّة دوليّة تؤثر على العلاقات "الأحوازيّة العربيّة" – "الإيرانيّة الفارسيّة" وتخلق توتراً في منطقة الخليج العربي قد يؤدّي إستمراره إلى تطوّرات ليس في صالح شعوب ودول المنطقة، وضرورة تحليل القضيّة في ضوء ميثاق الأمم المتحدة والقانون والعلاقات الدوليين، ولا ريب ان ذلك يضفي على دراستنا أهميّة خاصّة.
وبالتالي فإن دراستنا هذه ليست مجرّد بحث في مشكلة معيّنة - رغم أهميتها- فحسب، وإنما هي محاولة جديّة لفهم مشكلة مزمنة يعكّر بقائها واستمرارها صفو العلاقات التي يفترض أن تكون وديّة بين كافة شعوب المنطقة. نأمل أن تكون الدراسة خطوة صحيحة بإتجاه تحليلها مادامت تستهدف التوصّل إلى حقيقة القضيّة الأحوازيّة من الناحية القانونيّة.
إنّ تاريخ الصراعات السياسيّة عرف سجالات كثيرة في قضايا دوليّة من هذا النوع كانت الغاية منها دائماً ولا تزال إقناع الجماعات بصحّة هذا الطرح السياسي أو ذاك، وذلك بغية كسب ولائها لفئة دون أخرى في قيادة المجتمع وتنظيمه. وقد شهد القرن العشرين قضايا عدّة في منطقتنا العربيّة كالقضيّة الأحوازيّة التي يمكن اعتبارها نتاج الحرب العالميّة الأولى أو القضيّة الفلسطينيّة التي برزت بعد الحرب العالميّة الثانية.
فانّ تناول أي من هذه القضايا لتحليلها يستدعي حتماً الوقوف عند حقائقها، لذلك رأينا انه لا يتأتى فهم القضيّة الأحوازيّة إلا بالوصول إلى حقيقتها، وعليه فقد رأينا أن ذلك يستلزم دراسة المراجع الإيرانيّة وعلى وجه الخصوص الرسميّة منها، إضافة إلى المراجع العربيّة والأجنبيّة بقصد تقليب وجهات النظر المختلفة في هذه القضيّة وترجيح الجانب القانوني، محاولين بذلك استبعاد الجانب السياسي منها، مستهدفين الخروج في نهاية دراستنا بالحقيقة المجرّدة لتلك القضيّة، ضمن إطار واقعي مستند إلى أساسين في منطق البحث العلمي:-
أولاً: تلمّس حقيقة مشكلة إقليم الأحواز بهدف إلقاء الضوء على الجوانب الغامضة فيها، على أساس أنّ توضيح تلك الجوانب سيؤدّي حتماً إلى رفع الغموض الذي يحيط بالمشكلة نفسها، ويعيق فهمها الأمر الذي رُبما سيجعل من السهل علينا فهم جوهر الخلاف بين طرفي النزاع.
ثانياً: المساهمة في تسليط الضوء على القضيّة الأحوازيّة، فانّ الدراسات التي وضعت باللغة العربيّة – رغم ندرتها – لم تقدّم لتلك القضيّة (المشكلة) ما تستحقها من دراسة، حيث انصبّت في غالبها على الجانب السياسي للقضيّة طغى عليها الأسلوب الحماسي العاطفي في العديد من الحالات دون أن تقدّم حلولاً منطقيّة تستند إلى قواعد القانون الدولي - على الرغم من أهميّة الدور الذي يمكن أن يلعبه هذا القانون في حلّ المشاكل الدوليّة - ولا ريب أن ندرة الدراسات التي تناولت القضيّة الأحوازيّة من مختلف جوانبها كانت من أبرز العوائق التي واجهتنا في بحثنا هذا.
منهج البحث
إذا كان فهم القضيّة الأحوازيّة لا يتأتى إلا بالتوصّل إلى حقيقتها، فقد رأينا أنّ تحقيق ذلك يتطلب أنْ تشمل دراستنا:
أولاً: أسباب المشكلة
وإذا كان السبب الرئيسي لنشأة المشكلة وبروز القضيّة الأحوازيّة يعود إلى الوجود الفعلي للدولة الإيرانيّة في إقليم الأحواز، الذي ترتب نتيجة للحرب التي شنّتها الأولى سنة 1925 ضد الدولة الكعبيّة الأحوازيّة. وما دمنا نستهدف المساهمة في طرح مشكلة الأحواز التي تثير النزاع الدائم في المنطقة بين شعب الأحواز من جهة والدولة الإيرانيّة من جهة أخرى، إضافة إلى النزاعات الإقليميّة كالحرب الإيرانيّة - العراقيّة (1980- 1988)، لذا تعيّن علينا البحث في الأسباب التي أدّت إلى نشأة هذه المشكلة بالكشف عن جذورها، ولعلّ ذلك يثير تساؤلات عديدة:
1- كيف أن العوامل الجيوستراتيجيّة قد شكلت أحد أهم الأسباب لإندفاع القوى الأجنبيّة تجاه الأحواز، وصلت في الكثير من الأحيان إلى حدّ النزاعات المسلحة التي خاضتها تلك القوى الطامعة في الإستيلاء عليه، كما خاضها شعب الأحواز دفاعاً عن وطنه وحفاظاً على استقلاله واستقراره؟ وما هو دور العوامل التاريخيّة منذ العصور القديمة ومروراً بفترة وجود الدولة الإسلاميّة وقيام الدولة العربيّة المشعشعيّة في الإقليم، وإنتهاءاً بتأسيس الدولة العربيّة الكعبيّة؟
2- ما هو الوضع القانوني لإقليم الأحواز قبل سنة 1925؟ فإذا كان الوجود الفعلي للدولة الإيرانيّة قد ترتب نتيجة للحرب التي شنّتها ضد الدولة الكعبيّة كما أشرنا، فإن التوصل إلى حقيقة الوضع القانوني لإقليم الأحواز يفترض إبتداءً: البحث فيما إذا كانت الدولة الكعبيّة تمثل فعلاً ما يسمّى بمفهوم الدولة في لغة القانون الدولي.
3- مدى مشروعيّة تغيير المركز القانوني لإقليم الأحواز في سنة 1925؟ فإذا كانت الدولة الإيرانيّة قد غيّرت المركز القانوني لهذا الإقليم نتيجة للحرب التي شنّتها في ذلك العام، فإن تقييم مدى مشروعيّة هذا التغيير يفترض البحث في مدى قانونيّة تلك الحرب في ضوء قواعد القانون الدولي التي كانت سارية آنذاك.
ثانياً: وضع المشكلة في الوقت الحاضر
إذا كان تغيير الدولة الإيرانيّة للمركز القانوني للأحواز قد أنشأ وضعاً جديداً للإقليم، فلا شكّ أنّ استمرار هذا الوضع على ما هو عليه منذ تلك السنة وحتى الوقت الحاضر يثير تساؤلات عديدة:
1- ما هي الإجراءات التي اتخذتها الدولة الإيرانيّة تجاه إقليم وشعب الأحواز بعد أن تسنّى للأولى وضع اليد على الأحواز، ومدى تطابق تلك الإجراءات والحقوق السياسيّة التي يطالب بها شعب الأحواز في ضوء قواعد القانون الدولي.
-2 ما هو أثر استمرار وضع اليد الإيرانيّة على الأحواز منذ سنة 1925 وحتى يومنا هذا على المركز القانوني للإقليم، في ضوء الإعتبارات المتعلقة بالإجراءات التي اتخذتها الدولة الإيرانيّة تجاه إقليم وشعب الأحواز، وما هو أثر إستمرار بقاء الوضع الراهن على الحقوق الإنسانيّة لشعب الأحواز؟
-3 منذ أن وضعت الدولة الإيرانيّة يدها على الأحواز لم يشهد الإقليم الهدوء بسبب الثورات والانتفاضات المتتالية التي قام بها شعب الأحواز، وقد رافقت تلك الانتفاضات العديد من المطالب توجّه بها الأحوازيّون الي الدولة الإيرانيّة، كما أدلوا بها في العديد من المحافل الإقليميّة والعالميّة، وقد تمثلت هذه المطالب "بالتحرير والإنفصال" تارة و"بالحكم الذاتي" أو "الحق في تقرير المصير" تارة أخرى، فما هو الأساس القانوني للمطالب الأحوازيّة، وكيف جابهتها الدولة الإيرانيّة؟
-4 منذ عام 1946، تأسّس "حزب السعادة" في الأحواز الذي طالب بتمتع إقليم الأحواز بالحكم الذاتي، وفي عام 1956، نجد أن "الجبهة القوميّة لتحرير الأحواز" تطالب بحق شعب الأحواز في تقرير مصيره، وقد دعّمت مطالبها بنشاط مسلح موجّه ضد مظاهر الوجود الإيراني في الأحواز، كما تأسّست العديد من التنظيمات السياسيّة في الإقليم فيما بعد وكانت هي الأخرى لها توجّهاتها ومطالبها التي لا تختلف بكثير عن تلك التي رفعتها سالفاتها من التنظيمات الأحوازيّة، الأمر الذي يستلزم توضيح موقف القانون الدولي من هذه المطالب، وإمكانية تطبيق "الحكم الذاتي" أو "الحق في تقرير المصير" في إقليم الأحواز، والمشاكل التي قد يثيرها هذا التطبيق، ومدى التزام الدولة الإيرانيّة بالسماح لشعب الأحواز بالتمتع بحقوقه وأهدافه.
وقد رأينا أن الإجابة عن تلك التساؤلات تقتضي تقسيم دراستنا إلى أبواب ثلاث:
لذلك خصّصنا الباب الأول لدراسة العوامل الجيوستراتيجيّة والجيوسياسيّة والتاريخيّة لإقليم الأحواز، وقد تضمّن الإطارالجغرافي والإقتصادي لمحة موجزة عن الأهميّة التي يكتسبها الإقليم، وقد قدّمنا هذا العامل على العوامل التاريخيّة منذ العصور القديمة لإقليم الأحواز، وكذلك وضعه القانوني قبل عام 1925، حيث كان كلا العاملان سبباً هاماً في جعل الإقليم عرضة للأطماع الأجنبيّة، الأمر الذي أدّى إلى وضع يد الدولة الإيرانيّة على الأحواز منذ عام1925 ، ونشأة القضيّة الأحوازيّة منذ ذلك التاريخ.
وتناولنا في الباب الثاني دراسة مدى إنطباق صفة الدولة على النظام القانوني والسياسي السائد في الأحواز قبل عام 1925، ومدى مشروعيّة تغيير المركز القانوني للإقليم في ذلك العام، وتحليل تداعيات القضيّة وتطوراتها، والإجراءات التي إتخذتها الدولة الإيرانيّة تجاه إقليم وشعب الأحواز، وأثر استمرار بقاء ذلك الوضع على الحقوق الإنسانيّة والحرّيات الأساسيّة لشعب الأحواز.
أما الباب الثالث فقد خصّصناه لردّة فعل شعب الأحواز تجاه تغيير المركز القانوني لإقليمه منذ عام 1925 حتى عام 1979 (إندلاع ثورة الشعوب الإيرانيّة). والمنعرج الجديد الذي شهدته القضيّة الأحوازيّة بعد الثورة حتى وقتنا الراهن، وعدم خروج الحركة الوطنيّة الأحوازيّة عن القاعدة التي رسمها الأسلاف والمتمثلة في المطالبة "بالحكم الذاتي" أو "الحق في تقرير المصير". وعلى اثر هذه المطالب بينّا مدى استجابة إقليم وشعب الأحواز لتطبيق "الحكم الذاتي" وكذلك "الحق في تقرير المصير" وفقاً لقواعد القانون الدولي التي تشترط أوّلاً مطالبة ساكني الأقاليم بمثل هذه الحقوق.
وأنهينا دراستنا بالاستنتاجات ذكرنا فيها خلاصة ما توصلنا إليه من نتائج، وشرح وتحليل هذه القضيّة الدوليّة بطريقة رأينا انها أكثر ملائمة للمطالب الأحوازيّة والممارسات الإيرانيّة تجاه إقليم وشعب الأحواز من ناحية، ومتسقة مع مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة من ناحية أخرى.
البــاب الأوّل
مـقـوّمــات القـضـيّة الأحْــــوازِيـّة
الفـــصل الأوّل: إقــــليـم الأحـــــــــواز مطــمـــع القــــوى الأجــــنبـيّــة
الفــصل الثاني: نشـأة القــضيّة الأحــوازيّــة والعـوامل التاريخيّة
الفـصل الأوّل: إقليـم الأحـــواز مطــمع القــوى الأجــــنبيّة
المبحث الأوّل: الخـصوصيّة الإستـراتيجيّـة للإقليم
§ فقرة 1: خصوصيّة الموقع وأهميّته
· أهميته الموقع
· تنوّع الحدود
· إتساع الإقليم
§ فقرة 2: أصالة المدن والسكان
· عراقة المدن
· أصل السكان
§ فقرة 3: الأهمية الإستراتيجيّة للمياه
· وفرة الأنهار
· أهميّة الأخوار (المصبات)
المبحث الثاني: أهمية العوامل الاقتصاديّة في نشأة القضيّة الأحوازيّة
§ فقرة 1: الأحواز كممر تجاري إستراتيجي
§ فقرة 2: الزراعة والرعي
· خصوبة الأرض
· الرعي وتربية الحيوانات
§ فقرة 3: الصناعة والمعادن
· الصناعة ودورها
· المعادن الطبيعية وتنوّعها
· النفط والغاز الطبيعي
الفصــل الأوّل
إقليم الأحــواز مطمـع القــوى الأجـنبية
ان الأهميّة الجغرافيّة لأي منطقة من شأنها أن تجعل تلك المنطقة محط أنظار الدول الأخرى لتأمين مصالحها وحمايتها، وهكذا بالنسبة إلى إقليم الأحواز الذي يتميّز بموقع جغرافي بالغ الأهميّة بحكم وجوده على رأس الخليج العربي، ومحاذاته لشط العرب ــ كممر تجاري أيضاً ــ إذ يشكّل الإقليم نقطة مرور للبضائع المارّة من الهند واليها من بقية البلدان القريبة منها والبعيدة.
ونظراً لما يتمتع به الإقليم من أهمية استراتيجية وثروات اقتصادية هائلة، فقد جعله عُرضة لمطامع القوى الأجنبية الكبرى التي جابت مياه الخليج العربي على مرّ التاريخ. ولذا رأينا من الضروري تسليط الضوء على جميع هذه العوامل الهامة، وتبيان موقع الإقليم وتعيين حدوده الذي يعد أمراً هاماً بالنسبة لدراستنا.
ولأن عنوان الدراسة قد تضمّن مصطلح "القضية"، فرأينا انه من الضروري تفسير هـذا المصطلح في بداية دراستنا، (إذ تعرّف القضـيّة (Thèse باللغة الفرنسية)، وThesis) باللغة الإنكليزية)، على انها إثبات نظري يقدّم بشكل عام كحقيقة جزئية بحيث ان نقيضها (Antithèse)، هو صحيح أيضاً. وتستخدم القضية أو الأطروحة للدلالة على موقف معيّن نلتزم بالدفاع عنه ضد اعتراضات الخصم. كدفاع فيلسوف عن وجهة نظره من قضيّة محدّدة أو تأكيد رجل سياسي على فكرته في مواجهة أفكار خصومه)([1]).
كما تستخدم القضية في الجامعة للدلالة على بحث يقدّمه الباحث للحصول على درجة علميّة من خلال إثباته لوجهة نظر معيّنة بطريقة منهجيّة منطقيّة.
ومن الناحية الجدليّة (تعني كلمة قضيّة حدّاً أو طرفاً في نظام مؤلف من ثلاثة قضايا أو ثلاثة حدود بحيث أن القضيتين الأوليتين هما متناقضتان (قضيّة ونقيضها) وأن القضية الأخيرة (Synthèse) "الجميعة" تجمع بين القضيتين المتناقضتين السابقتين وترفع هذا التناقض إلى مستوى أعلى. هذا ويعبّر عن القضيّة بزمن الحاضر كأنها إثبات أو تأكيد أو كأنها موقف "حقيقي". من هنا اكتسابها صفة الجزم أو القطع كما لو أنها لا تقبل الرد)([2]).
كما عبر عن القضيّة أيضاً بـ: ("هو أو هي كذلك ... أو ليس ولا ...". إذاًَ القضيّة هي موقف مفنّد وداحض. لأن الإثبات يقتضي الإنكار والرفض والمهادنة والتوفيق)([3]).
ولهذا نجد القضيّة تستخدم كسلاح شديد الفعاليّة في الصراع السياسي والنقاشات السياسيّة بهدف دحض مزاعم الغير أو نقيض حجّة الخصوم. فهي تساعد على تحديد طبيعة التناقض بين الأطراف المتصارعة تمهيداً لاتخاذ الموقف الصحيح، كما تساهم من خلال تمحور النقاش حول الاختيارات السياسيّة على كشف ما إذا كان الطرح النظري يعكس فعلاً التناقضات القائمة في الواقع أو إمكانية ترجمته إلى برنامج سياسي يمكن تطبيقه على الأرض.
المبحث الأول: الخصوصيّة الإستراتيجيّة للإقليم
§ فقرة 1: خصوصيّة الموقع وأهميته
· أهميته المـوقـع
يقع إقليم الأحواز في نصف الكرة الشمالي ضمن المنطقة المعتدلة الشمالية، بين 30 – 40 شمال خط الاستواء، وبين 46 – 51 شرق غرينويج، وبين 44 – 49 شرق باريس.
ويقع جنوب وجنوب غرب إيران، تفصله عنها سلاسل جبال "زاجروس" (وكأنها "حائط" يحيط بهذا الإقليم ويفصله عن فارس)([4]). وأما بالنسبة إلى الوطن العربي فيقع في الجنوب الشرقي من جمهورية العراق، وشرق الخليج العربي.
يعتبر إقليم الأحواز عربياً بماضيه وحاضره، فمنذ القدم كان عربياً والدليل:
1- عدم وجود حدود طبيعة بين الأحواز والوطن العربي كما هي بينه وبين إيران حيث سلاسل الجبال في الشمال والشمال الشرقي، أما باتجاه الوطن العربي فإمتداده دون عوارض.
2- تقارب و تشابه المناخ بينه وبين الأقطار العربية.
3- ولما كان المناخ متقارباً ومتشابهاً، فالنباتات التي تتأثر بالمناخ متقاربة ومتشابهة وما هي نخيل الأحواز إلا امتداد لنخيل البصرة العربي.
4- وحدة اللغة – فاللغة العربية هي السائدة في الأحواز وهي لغة سكانه.