|
دخن!!! ولا تمت قالت: لن تخرج بعد اليوم، أتظنني حمقاء ولا أكشف عيوبك؟ أنا لست كالأمهات اللواتي يسرح أبناءهن ويمرحون ولا يعلمن بخبايا أسرارهم، لقد شممت رائحة فمك التي تفوح بالدخان! طفل في الثانية عشرة من عمره ويدخن! يا لخيبتي. قال الولد وقد انكشف سره الذي كان يحتفظ به منذ سنة: إن منعتيني من الخروج فسأضرب عن الطعام! قالت وهي متجهة نحو المطبخ: مائة سنة. لم تهتم بأمره، لكنه أضرب عن الطعام بالفعل، فقد رفض أن يتناول الفطور والغداء والعشاء! عندها أدركت الأم أن الولد جاد. وفي اليوم الثاني أحضرت الفطور، بيض وخبز. ولكنه رفض أن يأكل! ولا جدوى من النصائح والإلتماس! بدأ القلق يتسرب نحو الوالدة، مضى يومان والولد صائم لم يذق الطعام! ترجته، التمسته، بكت ليرى دموعها لعلها تكسر خاطره، لا فائدة! وهل يتراجع الرجال دون أن يحققوا ما عزموا إليه؟! تحترق الأم بشقاء ولدها وكأنها أتت به من بيت أهلها! لا يهتم الأب لمثل هذه الأمور أبداً، حتى لو حقن الإبن حقنة من الهيروئين! ولا يتدخل في أمور لا تعنيه! هكذا يعتقد! المهم أنه يعمل دؤوباً من الصباح وحتى المساء ويحضر كودة من النقود في نهاية الشهر. وماذا تريد العائلة أكثر من هذا؟! حارت الأم وخافت، سيموت الولد جوعاً، الموت أم التدخين؟! فلو استمر بإضرابه سيكون موته محتوماً، وماذا ستفعلين بعد فوات الأوان يا خائبة؟ وهل مات المدخنون من قبل كي تخافي على إبنك من موت التدخين؟! هذا (امعيكف) يدخن منذ العاشرة من عمره وقد بلغ الثمانين ومازال حياً، وقوياً كالبغل! وأي نوع من السجائر؟ سجائر لف! وإن نفد التبغ، لف روث الحمير ودخنه! وها هو أقوى من الحمار! تنازلي يا إمرأة، أنت الآن تعيشين في البلد، إنسي القرية وبساطتها! إنسيها وإلا طار الولد منك! وهل تقدرين على الحمل مرة ثانية وقد أصبحت عاقراً؟! وفي صباح اليوم الثالث، أيقظته مبكراً، وقدمت له طبقاً من البيض والحليب والقشطة والخبز الحار وسيجارة!!! فتنظر إلى السيجارة بعينيين مغرورقتين: وهل فعلتها قبلك أم يا مجنونة؟ تقدمين السموم لإبنك؟! ثم تكف عن لوم نفسها منشفة دموعها الساكبة: ولكن هذا خير من الموت!!! وصل اللئيم إلى مبتغاه، دخن الآن في العلن، لا حاجة أن تخبأ سجائرك من أمك! إستغل الشقي حنانها فخاطبها: سآكل ولكن بشرط! ــ كل، ثم إشترط بما تشاء، سأنفذ كل شروطك وطلباتك، ــ سيجارة في كل وجبة! ــ حاضر! وبعد أن اجتذبها الكريم سبحانه وتعالى ليجازي حنانها بجنات الخلود، يجلس الولد على شاطئ نهر كارون ويخرج علبة السجائر من جيب قميصه، ثم يفتت السجائر واحدة تلو الأخرى، ويرمي فتاتها في المياه، ــ كم كنت مخادعاً معك وأنا أتسلل إلى المطبخ فأخبأ الخبز تحت ثيابي، وعندما يخلد الجميع إلى النوم، أبدأ بقرضه فبلوكه بهدوء خيفة أن تتلاقى رحاي فينكشف أمري وتفشل خطتي! وأي نوع من الإضراب هذا؟! سامحيني يا أمي، ومن اليوم فصاعداً، لن تلمس شفتاي سيجارة.
عادل العابر-الأحواز 26/07/2007 |