إيران الشمولـيّة
لا تسقـط إلا بالقـوّة
رغم محاولات النظام الإيراني العديدة لتحسين صورته في الداخل والخارج، ورغم الأخذ بأيدي التيّار ألما يسمّى بالإصلاحي من قبل أسلافه الراديكاليّين وتنصيبه على دفة الحكم في البلاد، إلا أن الوجه الحقيقي للنظام لم يتغيّر على المستويين الداخلي والخارجي. فبعد أن سقطت كافة الأقنعة عن وجه لنظام، تبّـين بوضوح أنه يتسم بطابعه الشمولي، وأبعد ما يكون عن الديمقراطيّة. وما دام النظام الإيراني قد اختار لنفسه السير قدماً على طريق الشموليّة، فعليه تحمّل كافة العواقب التي ستنجم حتماً عن هذا الاختيار.
المؤكد أن النظام الإيراني السالف عهد الأسرة البهلوية، اتسم بطابعه الفاشي والديكتاتوري، الأمر الذي دفع بالجماهير الإيرانيّّة الغفيرة عام 1979 إلى الخروج إلى الشارع، لتهتف بصوت واحد، مطالبة الأسرة الحاكمة بالتنحي عن الحكم، وتسليمه إلى من سيختارهم الشعب ليمثلوه في مختلف المراكز الحكوميّة، وان يسهروا على رعاية مصالحه والحفاظ عليها.
إلا أن هذه الطموحات، قد باءت بالفشل بعد استلام المتسلقين دفة الحكم في البلاد، وتصفية كافة الرموز الثوريّة، ليسيّروا الحكم وفقاً لرغباتهم ومزاجياتهم، وبعيداً كل البعد عن تطلعات الشعوب الرامية إلى تحقيق الحريّة والعدالة والمساواة، وبذلك قد اثبت نظام ما بعد الثورة، بأنه لا فرق بينه وبين النظام السابق، وانه يستحق وبجدارة بأن نسمّيه بالشمولي.
ومنذ استلام الحكام الجدد سدّة الحكم في إيران، أقحموا البلاد في حرب دامية مع جارتها العربيّة المسلمة العراق عام 1980، فاشغلوا العامّة بمجريات الحرب وتداعياتها، حتى وضعت هذه الحرب أوزارها عام 1988، فاعتقدت الشعوب الإيرانيّة بأنها ستتنفس الصعداء، وأنها ستعيش بسلام وأمن واستقرار بعد ثمانية سنوات عجاف لحرب ضروس دارت رحاها ليس في جبهات القتال فحسب، بل شملت أيضا العديد من المدن والمناطق الإيرانيّة.
ولكن هذه الأمنيّات، تبدّدت شيء فشيء، حيث انتهج النظام الإيراني أسلوب القتل والبطش على الصعيد الداخلي، فتجلت الحقيقة المُرّة للشعوب، الأمر الذي أدّى إلى خلق حالة غليان فعلي في الشارع الإيراني المتعطش للحريّة. وبعد أن وجد النظام نفسه في مأزق مرتقب، لجأ إلى المدعو بالتيار الإصلاحي ليرفع شعارات جديدة اتسمت بشيء من الحريّة والعدالة، ولكن واقع الحال أكد أن هذا التيّار كان يطبق كلّ ما يملئ عليه من قبل التيّار المحافظ، فسرعان ما انكشف أمر الإصلاحيين، فدخلت البلاد في حملة اعتقالات واغتيالات واسعة النطاق، طالت العديد من المفكرين والمثقفين والكتاب والصحفيين.
وبعد انتهاء فترة رئاسته الثانية، تنحّى الرئيس محمّد خاتمي ليستلم زمام الأمور الرئيس الجديد أحمدي نجاد، رافعاً شعارات رنّانة، اتسمت بالعنجهيّة أحياناً، وبالهمجيّة أحياناً أخرى، الأمر الذي يدلّ ربما على نوع من التخبّط السياسي للحاكم الجديد، بعد أن بات متأكداً من أن عمر النظام الإيراني لم يعد طويلاً رغم الخطط والاستراتيجيّات قصيرة المدى، لذا اختار الأخير ما يعرف بأسلوب الهروب إلى الأمام، متحدياً بذلك الداخل والخارج على حدّ سواء.
وبتحدّيه الصارخ هذا، أعطى الرئيس أحمدي نجاد الذريعة الكافية للأصوات المنادية بضرورة إسقاط نظامه، وكانت الولايات المتحدة الأمريكيّة وحلفائها الغربيّـين، في أوّل قائمة الدول المطالبة بوجوب إسقاط النظام الإيراني، معتمدة بذلك على تعالي أصوات الداخل الإيراني الذي يضمّ أطياف من القوميّات غير الفارسيّة، والأقليّات العرقيّة والاثنيّة المسلوبة الحقوق، وكذلك تضاءل العناصر المدافعة عن النظام حتى من قبل أبناء القوميّة الفارسيّة التي تختزل فيها كافة مؤسّسات الحكم.
وإذا كان النظام الإيراني قد اثبت فعلاً بأنه نظام شمولي بكافة المقاييس، فان القاعدة الأساسيّة في العلوم السياسيّة تقول أن "الأنظمة الشموليّة لا تسقط إلا من الخارج". ولدينا العديد من الأمثلة على ذلك، أهمّها الاتحاد السوفيتي الذي تميّز بطابعه الشمولي، وقد لاحظنا كيف أن هذا النظام تمّ إسقاطه بسبب الضغوطات الخارجيّة الناجمة عن الحرب الباردة، فتآكل الاتحاد شيء فشيء من الداخل حتى هوى مرّة واحدة فانهار جدار برلين المحصّن عام 1989، وكذلك النظام العراقي الذي تمّ إسقاطه من الخارج قبل ثلاث سنوات فقط منذ الآن.
ورغم أن عهد الأنظمة الشموليّة أمسى آخذاً بالأفول، فانّ النظام الإيراني لا يزال مصرّاً على تمسّكه بهذا النمط المنبوذ من الحكم، فلا غرابة إذاً، إذا ما رأينا كيف يتهاوى هذا النظام اثر الضغوطات أو الضربات الخارجيّة من ناحية، والاضطرابات والاحتجاجات الداخليّة من الناحية الأخرى.
وفي الوقت الذي يجمع فيه العديد من المراقبين للشأن الإيراني على إمكانية تلقي النظام ضربات جويّة شاملة أو محدودة، فان الصورة تبدو قاتمة فيما يتعلق بمستقبل إيران السياسي بعد حدوث الفوضى التي ستنجم عن هذه الضربات، ولا نجد رؤية واضحة للسيناريوهات المطروحة بعد سقوط النظام، وما هو مصير بحيرات النفط التي يهيمن عليها النظام، حيث يوجد أكثر من 85% منها في إقليم الأحواز العربي البالغ عدد سكانه أكثر من خمسة ملايين نسمة، متعطشين هم الآخرين على نيل حريّتهم وانتزاع حقوقهم الوطنيّة المشروعة من النظام المستبد.
قد لا يستطيع احد الكشف عن الخارطة السياسيّة الإيرانيّة في المستقبل المنظور، ولكن يمكن الجزم بالاعتقاد بان العديد من القوى – داخليّة وخارجيّة - راحت تزحف نحو طهران لتشدد الخناق على النظام الإيراني الشمولي الذي أصبح على موعد محتم مع السقوط، وان الإقليم العربي الغنيّ بالذهب الأسود، سيكون له دوراً فاعلاً في تغيير مجريات الأحداث، إذ لا يستطيع احد منع خمسة ملايين عربي أحوازي من التوجّه نحو منابع النفط ومضخاته، وبالتالي شلّ العجلة الاقتصاديّة الإيرانيّة، الشيء الذي سيساهم حتماً في تقصير عمر النظام وتعجيل سقوطه مثلما حدث عام 1979.
عبّاس عساكرة
23/04/2006
ahwazna@yahoo.com