العرب المستعجمة

كانت الحمائم يعشن في روضة بسلام وهدوء.

فهجمت النسور عليها وقتلت 1925 حمامة بل اكثر , ثم بعثرت أوكارها وفرست أعزتها وملأ الفضاء الجميل نسور وحشية بعد ما كان مملوءاً بطيور سلمية. فكلما أرادت حمامة الطيران صيدت وفُرست.

 

ومضى الزمان على ما تبقى من الحمائم المنتفة, العايشة تحت قيد المستعمر الجبار.

ذات يوم تجولت حمامة مع فراخها مشياً .

كانت الحمامة بيضاء, فروة رأسها متهلسة, ممنوعة الدخول في روضها, فراخها لا يعرفون الهديل, فهم يعربدون كالذواري, مغروس على جلدهم ريش النسور لكنهم لا يستطيعون الطيران بهذا الريش , لأنه ليس ريشهم الحقيقي .

فعندما كانت الحمامة تتمشى وفراخها في الوادي, رآهم نسر وحشي, فهجم نحوهم مهتماً بفرسهم, عندئذ منعه رجل شجاع من اصطياده الحمامة وفراخها.

فحصل أمر غير منتظر تماماً, لقد لامت الحمامةُ الرجلَ حين رأته مشتبكاً مع النسر قائلة:

أنتم الناس تؤلمون الطيور دائماً, دع النسر وشأنه فانه طائر مثلي بيد أنه قادر على الطيران وأنا لست بقادرة.

 

اندهش الرجل الطيب تماماً ثم تراجع وقال:

إذن أنتِ لا ترغبين الطيران!فهل تعلمين من الذي منعك إياه ؟

 

أجابت: النسر مصيب فيما يفعل.

ثم خاطبت فراخها وقالت:

هذا الرئيس المحق القوي الذي يحلق في السماء أين ما يشاء ويعاملنا كيفما أراد, لأنه مختار بأمرنا وله الحق أن يصيدنا, فإنه يتغذى لحماً ولا ينبغي لنا أن نعارضه, اعلموا يا فراخي بأن النسر محق وفي معارضته نرتكب الذنوب, ولبئس مصير المعارضين.

فكل ما رأيته في الأفلام كان يبين لي أن من طبع النسور الفرس وهذا طبيعة خلقتها. فإذا لا يفترسني ولا يؤذيني فكيف يقدر على استمرار حياته السعيدة ؟

فانه محق كل الحق وأنا مسلّمة نفسي لنسر طائر قوي مصيب.

سألها فرخها : ولكن يا أمي هناك حمائم كثيرة يطرن في روضات أُخر بحُريّة تامة, وإنهن يقابلن النسور وكل الطيور الجارحة إذا ما عارضتها وسعت لسلب حريتها.

فأجابت الحمامة المتدجدجة : ويل لهن من حمائم وبانتظارهن عذاب مهين.

أين يطرن من عذاب الإله يوم الدين ؟

قال فرخ آخر لأمه المتدجدجة: يا أمي إن أكثر خالاتي وعماتي في سجون هؤلاء النسور.

أجابت أمه: هذا جزاء من رفضت القطون في قعر الوادي وسعت للطيران فوق قنن الجبال.

 

لم تمض فترة وفي صباح أحد الأيام عندما راح أحد الفراخ ليعرض التحية لأمه, ما رأى إلا ريشاً مبعثراً أطراف وكرها!

فراح راكضاً يحشم إخوانه وأخواته ويحثهم على الحرب ضد النسر, فاجتمعوا وقرروا أن لا يستمروا بالنوم تحت مظلة الذل والعار وأن لا ينتظروا منيتهم وموتهم الحتمي , فاتحدوا وحاربوا النسور اجمعها, فمنهم من قُتل لأجل الحرية ومنهم من نجى.

وصار في ذلك اليوم انقلاباً ضد النسور وكان النصر على أي حال للحمائم طبعاً.

 

أمل الأحوازي