رحلتي إلى الشهداء

استيقظي استيقظي يا حبيبتي

فتحت عينيّ الناعستين ثم قلت : دعني أتلذذ بالنوم .

شمر البطانية إلى زاوية السرير و ضمني إلى حضنه ثم استطرد بصوت منخفض :

ألا تريدين أن تتسحري ؟..سيؤذن أذان الفجر .

قلت متدللة : إن أبقيتني في حضنك حتى أذان الفجر , سأستغني عن السحور .

تبسم و قال : و ما ذنبي أنا كي أتحمل عناء الجوع طول النهار ؟

فقمت من الفراش و بعد أن تسحرنا و قرأنا القرآن , أذن المؤذن و صلينا جماعة, ثم عدت للسرير ثانية لأكمل نومي اللذيذ الذي ما كنت لأفارقه لولا سحر أنامل أبي انتصار التي جرتني من الفراش .

قال لي : أين ؟ .. القاضي ينتظرنا .

قلت بملل: الآن ؟

قال مبتسما" : نعم .

قلت : الأطفال ؟

قال : دعيهم ينامون يا فوزية , فسيكونون بأمان .

قلت : سأذهب إلى القاضي لكن بشرط .

فر يده اليمنى و رسم دائرة بأصابعه في الهواء مرتين أو ثلاثة و هو يلتفت إلى خلفه و كأنه يكلم أحدا" غيري همسا" : القضية , قضيتها و تشترط علىّ !

ثم أمليت شرطي عليه : الشرط هو , أن نتمشى للقاضي على ضفاف كارون لا من ذلك الشارع ذي الأشجار المكثفة .

قال : ما عهدتك لا تحبين الظلال الممدودة و المياه المسكوبة , يا أم انتصار !

لم اعلق على ما قاله و لم أعلم أنه أخرج السيارة من المنزل و أنها الآن في الشارع بانتظارنا , فأكدت : إمّا مشيا" على الأقدام و إمّا لا ذهاب .

رأي المسكين لا جدوى من إقناعي , فقبل .

تمشينا و تمشينا و يا لها من لحظات جميلة و كأننا في شهر عسل زواجنا .

نسيم الفجر يداعب وجناتي و توفيق يمطر علي بغزله , مطرا" ما مليت منه حتى لو صب وابله ليلا" نهارا" و أغرقني بل حتى لو جرف مطره الغزير كل ما لدي من أثاث عرس جديدة قد اُشتريت لي و أنا في أسبوعي الأول من شهر عسلي .

تمشينا و تمشينا حتى اقتربنا إلى القاضي , فكان الرجل ينتظرنا و حين رآنا قادمين , قام و استقبلنا استقبال العربي لضيفه .

اشر إليّ أن اجلس على أريكة كانت قد هُيئت لي من قبل و جلس توفيق جنب القاضي .

كان القاضي شيخا" أنيقا" , كلمنا باحترام ثم أمر أن يقدموا لنا الفاكهة .

قلت معترضة : يا شيخنا قد أذن المؤذن و أنا صائمة و أبو انتصار أيضا"

قطع كلامي مقهقها" ثم قال : و لكن لم يؤذن المؤذن هنا بعد , و لديكما الوقت الكافي لتناولا الفاكهة و لتشربا ما شئتما من هذه العين النضّاخة , مؤشرا" إلى العين التي يجري رحيقها تحت أرجلنا . و بعد أن ضيفنا القاضي سألني إن كنت جاهزة للذهاب لصالة المحكمة أم لا ؟

ألقيت نظرة صوب توفيق , كما كنت أستشيره في كل الأحوال و احترم رأيه ,

فأومأ برأسه بنعم , فقلت : نعم يا حضرة القاضي .

ثم نهض من مكانه و دعانا أن نتمشى معه , و في أثناء الطريق كان يعاتب الناس قائلا" : ما لهؤلاء البشر ؟ يظلم بعضهم البعض , ألم تكفهم نعم الله ؟

فلو كنت مكانهم لأحببت الناس حبا" ما احبه بشر لبشر .

كان يكلمنا و نصغي إليه حتى وصلنا إلى رجال و نساء مقيدين و عيونهم معصبة !

استفسرت من القاضي : لماذا هؤلاء بهذا الحال ؟

أجاب : أما القيد فهذا قد تم بأمر من الله و أما أعينهم فقد عُصبت بطلب منهم.

و لما رآني حائرة غير قانعة , استطرد كلامه قائلا" :

قُيدوا لأنهم كانوا من المعتدين , ولأنهم كانوا من الظالمين , و عُصبت أعينهم لأنهم يخجلون أن ينظروا لوجهك و كانوا قد ظلموك كثيرا" .

كان هؤلاء ( يَقوُلوُنَ بِاَفْواهِهمْ مَا لَيْسَ في قلوبِهمْ وَ اللهُ اَعْلَمُ بما يَكتمونَ )

مسكت يديّ أبي انتصار الذي كان واقفا" جنبي ثم نظرت إليه مستفهمة :

بالله عليك يا توفيق قل لي من هؤلاء ؟

أجابني القاضي بدل توفيق مؤشرا" صوب أحدهم : هذا رضا خان , شاه إيران و لقد ظلمك حيث سلب استقلال بلدكم , فكان سببا" لتعاستكم .

و هذا ابنه و كان قد نكر وجودكم و حرمكم من نعم الله التي وفرها سبحانه و تعالى في بلدكم و كانت لتكفي شعبكم بل أضعاف شعبكم جيلا" بعد جيل ,

لو لم يكن يعبث بها هو و أسرته الضالة .

و هؤلاء حكام الجمهورية الإسلامية و عندها هز القاضي يده و كأنه يهفي على جمر كاد أن يتهافت تحت ( قوري ) لم يخدر الشاي فيه بعد :

هه و يسمونها الإسلامية ! و لا يستحون و لا يخجلون !

و عندما كان يتمشى بجوارهم و أنا و توفيق نتمشى خلفه التفت إلي وقال :

هؤلاء اضطهدوا أجدادكم و سجنوا آباءكم و قتلوا أبناءكم .

و أن نساءهم رضين أن تُظلموا و لهذا قد اشتركن في الجريمة التي قام بها رجالهن ضدكم . إن جرائم هؤلاء لا تُحصى ولا أريد أن أعكر مزاجك بإحصائها و لكن قولي يا أم انتصار ماذا تطلبين عوض الظلم الذي ارتكبه هؤلاء بحقك ؟

قلت : أنا أسامحهم

عندها حدق القاضي عينيه في وجهي و وقف مكهربا" ثم صاح :

الله اكبر , الله اكبر , الله اكبر , ما اكبر قلوبكم أيها العرب !

ما اكبر قلبك يا أم انتصار ! ما اكبر قلبك ! ثم تركنا راكضا" , صائحا" ما اكبر قلوبكم يا قوم ما اكبر قلوبكم يا قوم , ما اكبر قلوبكم يا عرب , ما اكبر قلبك يا أم انتصار . و اختفى .

أما الحكام فكان قد غشى عليهم , و لست ادري لماذا .

ثم مشينا نحو رجال و نساء كانوا ( فَرحيَن بِمَا اَتهمْ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ) و أنهم يلوحون لنا و يحيوننا من بعيد .

و استقبلونا بأهازيج و زغاريد و هم رافعين علم الأحواز و لافتة طرزت بذهب ونقش عليها ( سَلامٌ عَلَيْكُمْ طبتُمْ فَادْخلوهَا خَالِدينَ ) .

و عندما اقتربنا اكثر عرفتهم و اغرورقت عيناي بالدموع فرحا" من رؤيتهم , كانوا كثيرين و يتقدمهم ( محي الدين ) و( دهراب ) و ( عيسى ) و (شريف ) و ( حميد ) و ( حاتم ) ثم ( عون وفيصل و شاعي و مكي و حسن ) .

عانقهم توفيق كلهم و عانقت أنا نساءهم حتى انتقل عطر ثيابهن إلى ثيابي ,

فيا له من عطر فواح و لولا خوفي من الموقف الحرج , لسألتهن عنوان المحل الذي اشترين هذه العطور الرائعة منه و لأجبرت أبا انتصار أن يشتري لي منها .

ثم خاطب توفيق عونا" و رفاقه و كأنه يعرفهم منذ سنين :

كيف أتيتم من بريطانيا إلى هنا ؟

قالوا : ( اِنَّ اللهَ لا يضيعُ اَجْرَ المحُسنينَ ) أينما كانوا في بريطانيا أو في الصين .

ثم دعونا للدخول في قصورهم , فكانوا يسكنون شققا" عريضة , طويلة ,

في حدائقها نخيل و أعناب و رمان , و العيون تتفجر من الحدائق ,

في كل شقة حديقتان فيهما من كل فاكهة زوجان ,

فيهما كل ما تشتهي الأنفس .

ثم أخبرنا محي الدين قائلا": إن لدينا جيران جدد أعزاء , سكنوا في الشقة المجاورة, التحقوا بنا للتو . القيا عليهم التحية يا أم انتصار و يا أبا انتصار !

قلت : من هم ؟

قال : هم شهداء انتفاضة 15نيسان 2005 و أن أسماءهم كتبت على باب الشقة بذهب .

قلت : في أي شقة يقنطون هؤلاء الأعزاء و أني لمشتاقة للقائهم ؟

قال : تلك التي حُك على بابها ( الذينَ يَرثونَ الفردوسَ هُمْ فيها خالدونَ )

ثم مشينا قاصدين شقة هؤلاء الذين نعتهم محي الدين بالأعزاء . فقرأنا الأسماء التي يكاد منظر جمال خطها ينسينا أن ندق جرس الشقة رغم اشتياقنا للقائهم و بقينا متحيرين من هذا الفوز العظيم الذي حصل عليه : على مزرعة و إسماعيل و صمد حزباوي و قاسم الموسوي و علم الخزرجي و ناجي عبيات و رضا و سعيد و جعفر و علي و إبراهيم و ناصر و خلف و صادق و مهدي و حسن و جليل و عبد و هادي و موسى و جعفر و حسين و …………..

ثم …………………

شفتان حارتان دفئتا خدي و صوت حنون همس في أذني :

حبيبتي ..حبيبتي ……استيقظي ……سيتأخر الأطفال وانهم محتاجون لدفئ حنانك قبل الذهاب إلى المدرسة كي يقيهم من الزكام .

أمل الأحوازي