سامي في مدارس الفارسية
دخل سامي الصف بعد ما استأذن من المدرس, وحين رأى صديقه علي سلم عليه قائلاً:
( مرحباً علي, كيف الأحوال؟ )
غضب المدرس الفارسي حين سمع هذه الجملة العربية وصاح معربداً:
اخرس أيها العربي الحافي, وصفع سامياً على خده.
بغت سامي, وظل حائراً حيث لم يرتكب أمراً يستوجب النقمة, فسأل مدرسه: ما هو ذنبـي وماذا جنيت كي أعاقب في أول يوم من السنة الدراسية؟
صرخ المدرس بوجهه وصاح:
لماذا تتكلم بلسان أجنبـي في الصف أيها الأحمق؟
أجاب سامي وهو مطأطأ رأسه احتراماً لمدرسه: إني تكلمت بلغتنا, لا بلغة الأجانب. ثم فلنفترض أن هذه اللغة, لغة الأجانب, من الذي أصدر قانوناً يمنع الكلام باللغات الأجنبية؟
ألم تُدرس اللغة الإنكليزية والألمانية والفرنسية و غيرها من اللغات الأجنبية في جامعات طهران و...؟
لم يصبر المدرس على سماع بقية حديث سامي لعظمة حنقه فقال:
كيف تتجرأ على استفهامي وأنا مدرسك؟
ثم اعلم, لا تقس اللغة العربية مع الإنكليزية والألمانية والفرنسية! شتان بين العربية المتخلفة ولغات الأوربيين!
قال سامي وقد أخذ الغيظ منه مأخذاً فقده السيطرة على ما يقول:
أيها المدرس, قل بصراحة أن الإيرانيين يحبون جميع اللغات سوى اللغة العربية, أي سوى لغة القرآن الذي هم مؤمنون به كما يزعمون, لكنهم متلفعون بعباءته دون أن يطبقوا محتواه, قل أنهم يكرهون العرب ولغتهم.
 
صفعه المدرس الفارسي مرة ثانية وقال معربداً:
إن أردتم الكلام بالعربية فارجعوا إلى من حيث هاجرتم وتكلموا بهذه اللغة الثقيلة هناك.
نظر الطلاب إلى بعضهم وبان العجب في وجوههم ثم سأله أحدهم:
ماذا تعني يا سيد (ساساني) بقولك من الهجرة؟
أجاب: ألم تعلموا أنكم مهاجرون من السعودية والعراق والشام, وأن هذه الديار إيرانية؟
قال سامي: ولكن العيلاميين الذين كانوا يقطنون هنا قبل الألوف من السنين, لم يكونوا إيرانيين وأن آثارهم ما زالت موجودة في جغازنبيل بالقرب من تستر.
وأن الإيرانيين لم يدخلوا الأحواز إلا في سنة 1925 حين احتله رضاخان البلهوي.
ولو كنا مهاجرين حقاً, فقد هاجرنا إلى الأحواز قبل أن يهاجر الفرس إلى إيران.
كان المدرس يستمع إلى ما يقوله سامي والشرار يتقاذف من عينيه فقال:
من الذي علمك أن تتكلم هكذا ومن الذي نقل لك كل هذه المعلومات التاريخية المزيفة وما زلت صبياً؟
لا ريب أنك تعيش في أسرة معادية لحكومتنا الإسلامية!
ثم ألم يحكم الزنديون بزعامة كريم خان الزند الأهواز؟
أجاب سامي: بلى ولكن حاربهم العرب الكعبيون وطردوهم من الأحواز.
قال المدرس: ألم يحكم الصفويون الأهواز.ثم قطع كلامه قبل أن يكمل وسكت قليلاً ثم قال: ما لي أباحثك أيها العربي الأحمق؟
قم واخرج من الصف أيها العربي المتخلف.
ثم صاح لأحد التلامذة الفرس وقال:
بلغ المدير أن هذا التلميذ المشاكس لا يراعي قوانين المدرسة ويتكلم باللغة العربية في المدرسة!
 
وبعد قليل حضر المدير وهو ينظر إلى سامي شزراً, فقال: ماذا حدث من مكروه يا سيد ساساني؟
قال: إن هذا التلميذ يا حضرة المدير, يخالف الاتفاق الذي اتفقت معك حوله.
فقص ساساني للمدير ما جرى بينه وبين سامي.
فقال المدير مخاطباً سامياً: ألم تتهيب من قول هذا الكلام الخطر يا مجرم؟
ثم سكت هنيهة فقال: انك مطرود لمدة ثلاثة أيام, كي تعقل وتنفذ ما نأمرك به!
فطرد سامي من المدرسة.
 
ثم بالغ السيد ساساني بعنصريته وعربد قائلاً:
ماذا نفعل بكم أيها الأعراب الحفاة كي تنسوا هذا اللسان الثقيل؟
ألا وهو لسان المتخلفين!
ماذا نفعل بكم كي تصبحوا أناساً متقدمين, مثقفين؟
درسناكم في المدارس من الابتدائية بلغة الفارسية الجميلة, لغة كسرى وبرويز وفردوسي وداريوش وكريم خان زند والخمينـي, المرجع الأعلى, فلم تنسوا لغتكم الأجنبية, فماذا نفعل بكم يا أكلة الجراد كي تصبحوا أناساً كالإيرانيين؟
أنتم تعيشون في حكومة فارسية وتأكلون من نعمها, فهل من العدل أن تنطقوا بغير لغتها؟
ثم نظر السيد ساساني صوب التلاميذ وهو يتمشى في الصف طولاً وعرضاً فقال:
اسمعوا جميعاً, من الآن فصاعداً من تكلم بالعربية في المدرسة سوف أفصله من المدرسة, وأني قد اتفقت مع المدير حول هذه الفكرة, والمدير وافقنـي.
في هذا العام الدراسي, سوف نعلمكم اللغة الفارسية بصورة جيدة وأنتم أيها الأعزاء, حاولوا أن تنسوا لغة لا تفيدكم أبداً. فأنتم تدرسون الرياضيات باللغة الفارسية, تقرئون التأريخ والجغرافيا بالفارسية, تقرئون جميع دروسكم بالفارسية, فما جدوى اللغة العربية لكم؟
عليكم أن تتكلموا الفارسية في بيوتكم وفي الشارع وفي المدرسة وفي كل مكان, كي تتقنوها جيداً وكي تنسوا العربية رويداً رويداً. وبرهنوا لأهلكم وأقنعوهم كي يتماشوا معكم, ونحن بدورنا سنعقد جلسات في المدرسة وسندعو أولياء أموركم كي نرشدهم إلى النطق بالفارسية في المنازل بل في جميع الأحيان والأمكنة, فوالله لو نجحت هذه الفكرة, سوف لن يبقى عربي خلال عشرة أعوام في الأهواز وكلكم ستصبحون فارسيين, عندها ستفهمون الفارسية جيداً وسوف تنجحون نجاحاً باهراً!
ألم توافقوني الرأي؟
لم يفت التلامذة ما جال في خاطر هذا المدرس من حقد وكره نحوهم مهما حاول التظاهر بغير ذلك. فكانوا صامتين لم يفه أحد منهم بكلمة.
 
فواصل السيد ساساني خطبته العنصرية وقال: من ترك منكم هذا اللسان, لسان الجاهلية والكفر وعبدة الأصنام, سوف ينال حظوة في عيون كادر المدرسة وسنهون عليه كل عسير, خاصة في فصل الامتحانات.
 
فعندما كان يصول بخطبته الهادفة إلى محو العروبة في الأحواز, دق الجرس وتمشوا الطلبة وسامي نحو بيوتهم.
وفي الطريق, قال أحدهم ممازحاً:
استقبل السيد (ساساني) سامياً بهدية الصفع في بداية السنة الدراسية, ليرغبه للدراسة وطلب العلم.
وقال آخر وقد وقف ثم نظر نحو سامي متألماً: تفطر قلبي أسفاً على ما نلته اليوم من أذى يا سامي, فنحن جميعاً نعلم انك لم تقترف ذنباً, وما قلته كان صواباً, إنما هؤلاء عنصريون, وأي عنصرية هذه؟ أنهم عنصريون حتى الثمالة!
ثم قال ثالث ساخراً: اشكروا الجمهورية الإسلامية الإيرانية وانتم تأكلون من نعمها.
فضحكوا وقال سامي: بل الجمهورية هي التي تأكل من نعم أحوازنا.
ثم ضحكوا معاً واستمروا بالمشي.
 
مضى ذلك اليوم, إنما أودع في قلب سامي كره للمدرسة وفي قلب ساساني حقد تجاه سامي.
فصار سامي يكره حصة المدرس العنصري وأصبح ساساني يبغض سامياً.
وفي نهاية السنة الدراسية لم ينجح سامي, وكان قبل هذا العام من المتفوقين! فقد رسب من درس (آمادكي دفاعي) أي الاستعداد للدفاع, الذي كان يدرسه السيد ( ساساني ) وهو المدرس الذي تعمد على رسب سامي من هذا الدرس العديـم الفائدة, كما انه رسب من درس التأريخ الذي كان يدرسه السيد (جهرمي) والدين الذي يدرسه السيد (توانا).
وبعد أن أعلنوا النتائج خاطب جهرمي ساساني وهو يضحك من كل أحشاءه قائلاً:
لأجل عين ألف عربي يرسب!
فشكره ساساني وقال: عشت وليرض منك الزرتشت!
 
وفي السنة الدراسية الجديدة لم ير التلاميذ سامياً, ولمّا استفسر بعضهم عنه, علموا أنه ترك المدرسة واصبح عاملاً في البناء.
هذا مصير الكثير من طلابنا في الأحواز.
آمادكي دفاعي: يُدرس هذا الدرس بالثانوية والإعدادية في مدارس إيران,
وفي الأحواز المحتلة وقد أشرع النظام الإيراني بتدريسه بعد الحرب الإيرانية – العراقية وهو درس يهتم بالشئون العسكرية ويدرسه الحرس الذين تسللوا في دائرة التعليم والتربية بمهنة مدرس, ولكن أرسلتهم الاستخبارات الإيرانية كي يتجسسوا في المدارس.
 
 
 
 
أمل  الاحوازية