|
الـجـهـاد فـي عـربـستـان – الحلقة الثانية و الأخيرة الدكتور علي الوردي الداغستاني في عربستان: كانت القوات التركية في عربستان ـ كما أسلفناـ تحت قيادة توفيق بك الخالدي، و كانت قد عسكرت مع المجاهدين في ( الغدير) الذي يقع على بعد عشرة أميال غرب بلدة الاهواز. وفي أواسط شهر آذار 1915 وصل الي الغدير محمد فاضل باشا الداغستاني ليحل محل الخالدي في القيادة، وأصبح الخالدي ضابط ركن له. و في نسيان وصلت الى الداغستاني نجدة قوية مؤلفة من ثلاثة أفواج مشاة و مدفعين جبليين. وكان الواجب الذي نيط بالداغستاني هو مهاجمة الاهواز و أنابيب النفط لتخفيف الضغط على الشعيبة. وقد قام الداغستاني بالهجوم على الاهواز مرتين: أولاهما في 11 نيسان، و الآخري في اليوم التالي له. وقد أخفق في كلتا المرتين لانتشار الفوضى و التذمر بين العشائر التابعة له. يعزو البعض سبب انتشار الفوضى و التذمر بين العشائر آنذاك الى سوء ادارة القائد السابق توفيق بك الخالدي، فقد وصلت اليه من القيادة مبالغ كبيرة من الليرات لتوزيعها علي العشائر( يالهم من مجاهدين في سبيل الله!!!)، و كان الشيخ مهدي الخالصي قد حذره من مغبة توزيعها، ولكنه أصر وكلف السيد محمد اليزدي بأمر توزيعها، ولم يكد اليزدي يفعل ذلك حتى بدأ اختلاف الكلمة يظهر بين رؤساء العشائر حيث صار كل واحد منهم يحسب نصيبه من المال أقل من نصيب غيره، كما صارأفراد العشائر يتذمرون من رؤسائهم و يتهمونهم بأنهم احتجزوا المال لأنفسهم دون أن يعطوهم منه شيئاٌ. و قد أشار أفراد العشائر الى هذا المعنى في هوساتهم حيث قالوا:( يا سيد محمد ما انطونا!) و ( يا سيد محمد ضموهن!). و على أي حال فقد تلقى الداغستاني على أثر معركة الشعيبة أمراٌ من القيادة بالانسحاب من الغدير و التوجه نحو العمارة، فترك الداغستاني في الغدير قوة ضعيفة مؤلفة من عشرين بغّالاً و انسحب ببقية قواته. وحين وصل الي نهر الكرخة لم يكن لديه سوى اربعة قوارب للعبور، ولهذا استغرق عبور النهر أربعة أيام. و ظل الداغستاني يواصل سيره على رأس قواته حتي وصل الي العمارة في 3 حزيران، أي أنه امضى في السير ما يقارب خمسة و اربعين يوماً، و ذلك لوعورة الطريق و قلة ما لديه من وسائط النقل. و كان وصول الداغستاني الى العمارة في نفس اليوم الذي سقطت فيه تلك البلدة في أيدي الانكليز، فتبعثرت قواته، و اضطر هو و من بقي معه أن يتوجهوا نحو الكوت. و لو أن الداغستاني كان قد وصل العمارة قبل يوم واحد لربما أدى ذلك الي صمود حاميتها تجاه الانكليز وعدم سقوطها. ويقال ان القائد التركي الجديد نور الدين بك غضب على الداغستاني من جراء ذلك و أهانه دون أن يراعي شيخوخته و حرمته. انتقام في عربستان: في 19 نيسان 1915 ـ أي بعد انتهاء معركة الشعيبة بخمسة أيام ـ وصلت برقية من لندن الى نائب الملك في الهند جاء فيها:"... ان مشكلة النفط أصبحت خطيرة، وان امارة البحر قلقة تريد اصلاحاٌ سريعا لأنايب النفط في عربستان. و لما كان انتصار الشعيبة قد أزال الخطر عن البصرة من جهة الغرب فان الحكومة ترحب بالتحرك ضد العدو من جة نهر كارون... ان التأثير المعنوي لانتصار الشعيبة اذا أعقبه هجوم ناجح من الاهواز فسوف ينهي كراهية العرب لنا و يضمن سلامة أنابيب النفط في المستقبل...". و في 22 نيسان تحرك من البصرة رتل مؤلف من تسعة آلاف رجل، و تسعة آلاف بغل، بغيادة الجنرال غورنج. وأتخذوا طريقهم نحو الاهواز عن طريق النهر والبر معاٌ. ولم يجد الرتل أية مقاومة جدية في طريقه لأن القوات التركية كانت قد انسحبت مع المجاهدين نحو العمارة كما ذكرنا آنفا. و لما لم يجد الجنرال غورنج أمامه من يحاربه من الأتراك اتجه نحو عشيرة بني طرف بغية النتقام منها لكي يجعلها عبرة لغيرها اذ هي كانت قد قتلت قبل مدة قصيرة أربعة ضباط بريطانيين كان أحدهم برتبة ميجرـ أي رائد ـ و قد اعتبر الانكليز هذا العمل منها( غدراٌ). كان في صحبة الرتل ضابط اشتهر في العراق بعدئذٍ هو أرنولد ويلسون، وكان هذا الضابط يتقن العربية والفارسية وقد تجول قبل الحرب في أنحاء عربستان و حل ضيفاً على الشيخ عاصي بن شرهان و عوفي بن مهاوي، من رؤساء بني طرف، فكان يعرف المنطقة معرفة دقيقة و وضع لها خرائط مفصلة. كان مركز بني طرف في قرية (خفاجية) التي تقع على الضفة الغربية من نهر الكرخة، وكانت مؤلفة من عدة مجاميع من بيوت طينية تمتد علي النهر الى مسافة أربعة أميال تقريبا. وفي 13 أيار أطبق الانكليز على القرية من الجانبين، وكان دليلهم اليها ويلسون، فأمطروها بوابل من قنابل المدافع ورصاص الرشاشات. و استمرت المعركة ثلاثة أيام قاتل فيها بنوطرف ببسالة. وقد وصف ويلسون ما حل بالقرية من جراء القصفه فقال: أن المدافع التي كانت على الضفة المقابلة من النهر أخذت تصب حممها على بيوت القصب فأشعلت فيها النار، كما احترق عدد من الخيول والجواميس التي كانت قد تركها أصحابها. ويقدر ويلسون خسارة بني طرف في المعركة بألف رأس من الماشية وكل ذخيرتهم من الحنطة، بالأضافة الى ما حل بقرية الخفاجية من تدمير هائل. و يبدي ويلسون أسفه لأنه شاهد أشخاصاً من بني طرف يعرفهم وقد أصبحوا طعمة للنار، كما شاهد أشخاصا آخرين كان يعدهم من أصدقائه وهم مذبوحون ذبح النحاج. ان ويلسون يحاول تبرئة بني طرف من تهمة ( الغدر) التي ألصقتها بهم القيادة، ولكنه مع ذلك يقول عنهم انهم لا يستحقون العطف والرحمة! من جراء ما فعلوا بالجنود الجرحى ولأنهم تعاونوا مع الاتراك. و يروي ويلسون حادثاً مثيراً حدث في آخر المعركة هو أن خمسين رجلاً من بني طرف ظلوا يقاومون الأنكليز وهم متحصنون في بيت من طين متين البناء، فتقدم ويلسون نحو البيت يناديهم طالباً منهم الاستسلام حيث قال لهم: أخرجوا ولكم الحظ والبخت. فإنطلقت عليه رصاصة من جهتهم جعلته يسرع الي خندق ليحتمي به، و عند هذا أخذ الجنود يطلقون النيران على البيت حتى جعلوه شعلة من نار، ثم هجموا عليه بالحراب فقتلوا فريقاً من الذين كانوا فيه و أسروا فريقاً. و جاؤوا بالاسرى وكان عددهم أحد عشر رجلاً فأجلسوهم على الأرض في حالة تبعث على الأسى بينما كان الجنود يحيطون بهم و حرابهم تقطر دماً. عرف ويلسون أحد اولئك الأسرى، وهو قهواتي الشيخ عاصي بن شرهان، و سرعان ما رفع هذا الأسير صوته ينادي ويلسون ويقول له يعاتبه:" لماذ يا مستر ويلسون عملت بنا هذا العمل؟ انك أنت الذي قدت هؤلاء الرجال الي هنا. و هل لهذا الغرض جئتنا وأكلت زادنا وتجولت في أهوارنا وأعددت الخرائط؟ انه كان الغدر، الغدر في قلبك و الاكاذيب على لسانك. والآن دماء اخوتنا على رأسك. الله يسامحك!". يقول ويلسون انه لم ير نفعاً في مجادلة الرجل ففي مثل هذه الظروف لابد أن تكون هناك وجهتان مختلفتان للنظر. ثم يقول ويلسون: ان العقوبة التي أنزلناها ببني طرف كانت درساً فاسياً لها و لغيرها من العشائر القاطنة على ضفاف دجلة الي الجنوب من العمارة، فان انعدام المقاومة العشائرية في تلك المنطقة بعد أسبوعين من ذلك يعزى بعض سببه من غير شك الى ما وقع للخفاجية من تدمير. ان هذا الدرس لم يغب عن أذهان العشائر سريعاً ولهذا لم تقع بيننا وبين "ألبو محمد" اية مشكلة سواء كان ذلك ابان الحملة أو بعدها. وقام ويلسون بعدئذ بجولة استطلاعية على رأس سرية من الخيالة باتجاه العمارة. وقد شاهد أثناء الطريق جماعة من بني طرف يترواح عددهم بين المائتين و الثلاثمائة و هم يمشون على أقدامهم بتجاه الخفاجية، وكان يمشي في مقدمتهم رجلان ممتطيان جواديهما تبين أن أحدهما هو الشيخ عاصي بعينه والثاني عالم ديني ذو عمامة بيضاء. ولم يكد الشيخ عاصي يلمح شبح ويلسون من بعيد حتى هتف به سائلاً( أنت ويلسون؟) فلما رد عليه هذا بالايجاب استدار الشيخ نحو أبناء عشريته وصرخ فيه صرخة سرعان ما أعقبها الرصاص منهمراٌ على ويلسون و أصحابه بغير نظام. وقد تمكن هولاء من النجاة باحتمائهم ببعض التلال القريبة. واستطاع ويلسون بعدئذٍ أن يقود أصحابه في طرق وعرة تحت جنح الظلام، حتى وصل بهم الي قرية(بسيتين). فخرج اليهم منها رجلان كان أحدهما سيداٌ و الثاني عالماٌ دينياٌ، وأخذ هذان الرجلان يتزلفان لويلسون على الطريقة المعتادة في الشرق، فمدحا الشيخ خزعل والحكومة الايرانية، وأشادا بعدالة بريطانيا، وذما الشيخ عاصي حيث وصفاه بالظلم والخيانة، وقالا ان خفاجية نالت جزاءها العادل! طلب ويلسون من الرجلين تجهيز جنوده بالمواد الغذائية، فقالا ان أهل القرية أناس فقراء وهم يطلبون نقوداٌ عن المواد المطلوبة منهم. ولما كان ويلسون لا يحمل معه نقوداٌ كافية فقد اتفق مع أهل القرية على اعطائهم حوالة على البصرة أو الاهواز بدلاً من النقود. وقد رضي أهل القرية بذلك، وعند هذا أخذت المواد الغذائية تنهال على الجنود انهيالاً وفيراٌ من السمك والتمر والبط والدجاج والبيض و الانعام و الماعز. وقد ذبح أهل القرية لهم كذلك جواميس هرمة، وسمع ويلسون رجلاً منهم يقول لجاموسته أثناء ذبحها " ان موتك شرعي يا عزيزتي، فسأشتري بثمن جلدك و لحمك بندقية. سأكون رجلاً". 07/12/2007 |