الـجـهـاد فـي عـربـستـان - الحلقة الأولى

الدكتور علي الوردي

كانت منطقة عربستان ـ وهي المنطقة التي أطلق الأيرانيون عليها أخيرا اسم  خوزستان ـ ذات أهميه كبيرة للانكليز اذ هي كانت في تلك الايام المنطقه الوحيدة في الشرق الاوسط التي تحتوي علي آبار و مصافي للنفط، وهذا هو الذي دفع الانكليز الي ارسال حملتهم العسكرية الاولي نحو شط العرب بقيادة الجنرال ديلامين، فلقد كان الغرض الاصلي من ارسال تلك الحملة هو لحماية مرافق النفط في عربستان و ليس لاحتلال البصره، علي نحو ما ذكرناه في الفصل السابق.

كان الشيخ خزعل هو الحاكم المطلق في عربستان و ان كان من الناحية الشكلية تابعاٌ للدولة الايرانية. وفي 9 تشرين الثاني 1914 حين كانت البصرة مهددة بالغزو الانكليزي ارسل بعض علماء النجف الي الشيخ خزعل برقية هذا نصها:

" باسم الشريعة المحمدية يجب عليك النهوض والقيام واتفاقكم مع المسلمين في مدافعة الكفارعن ثغر البصرة بالمال والنفس وبكل ما تقدرون عليه. وهذا حكم ديني لا يفرق بين الايراني والعثماني. جاهدوا بأموالكم وأنفسكم ينصركم الله بحوله وقوته. بلغ هذا الحكم لجميع العشائر. عرفونا سريعاً اقداماتكم."

وقد وقع هذه البرقية الشيخ فتح الله الاصفهاني، والسيد مصطفي الكاشاني، و المرزا مهدي الخراساني، والسيد علي التبريزي، والشيخ محمد حسين المهدي. و في اليوم نفسه أرسل السيد محمد ابن السيد كاظم اليزدي برقية مماثلة الي الشيخ خزعل.

لم يهتم الشيخ خزعل بهاتين البرقيتين، و كان رأيه ان المجتهدين الذين أرسلوهما انما فعلوا ذلك تحت ضغط من الحكومة التركية، و أنه بصفته من رعايا الدولة الايرانية يجب عليه أن يقف على الحياد.

و كان للشيخ خزعل علاقة وثيقة جداٌ بأحد علماء النجف هو الشيخ عبدالكريم الجزائري، اذ كان يعد من مقلديه و من أشد الناس اخلاصاٌ له وطاعة لأمره، و لهذا كتب الجزائري اليه يأمره بالاشتراك في الحرب الي جانب الدولة العثمانية و بتجهيز حملة من العشائر لمساعدتها، فأجابه الشيخ خزعل يعتذر عن القيام بذلك و يشرح له موقفه من الانكليز حيث يستحيل عليه القيام في وجههم. و قد تألم الجزائري من هذا الجواب و سخط على الشيخ خزعل و قطع علاقته معه. و يقال ان الشيخ خزعل حاول بعد الحرب اعادة علاقته القديمة مع الجزائري ولكن الجزائري رد عليه قائلاً: " فرّق ما بيني و بينك الاسلام!"

و عندما قامت حركة الجهاد في العراق كان صداها في عربستان قوياً، حيث تحسست بها معظم العشائر العربية هناك. و يمكن تعليل ذلك بسببين:

أولا: ان العشائر كانت تبغض الشيخ خزعل لشدته في جباية الضرائب، و لهذا فهي انتهزت فرصة الجهاد للنتقام منه، فقد كانت حركة الجهاد في نظر تلك العشائر كانها ثورة عليه.

ثانيا: كان السيد عيسي كمال الدين كبيرعلماء عربستان في ذلك الحين، و هو نجفي من أسرة (كمال الدين) المعروفة، وقد استجاب لدعوة الجهاد بحماس على منوال ما استجاب لها زملاؤه علما النجف، و صار يتجول في مدن عربستان و بين عشائرها يحضهم علي النضمام الي الدعوة، فأحدث فيهم تاثيراٌ غير قليل.

وفي أواخر كانون الثاني 1915 وصلت من العمارة قوة تركية بقيادة توفيق بك الخالدي، فعسكرت علي ضفاف نهر الكرخة على بعد عشرين ميلاً من بلدة الاهواز غرباً، ثم جاه علي أثرها مجاهدون كثيرون من العشائر العراقية كـبني لام برئاسة غضبان البنية، وبني طرف برئاسة عوفي بن مهاوي وعاصي بين شرهان، وربيعة برئاسة عناية بن ماجد، والرزقان برئاسة قاسم بن علي. وكان في صحبة المجاهدين عدد من علماء الدين كالشيخ مهدي الخالصي وابنه الشيخ محمد، والسيد محمد بن السيد كاظم اليزدي، والشيخ عبدالكريم الجزائري، بالاضافة الي السيد عيسي كمال الدين.

وكان لمجيء هؤلاء المجاهدين أثره في عشائر عربستان. ففي 5 شباط أعلنت عشيرة الباوية التي تسكن الي الشرق من بلدة الاهواز انضامها الي حركة الجهاد، و قطعت أنابيب النفط و أشعلت النار فيها كما نهبت مخازن الشركة. و في 25 شباط ثارت عشيرة بني كعب علي الشيخ خزعل حيث اتهمته بأنه حليف لبريطانيا ضد الدولة العثمانية المسلمة. و قد سيطرت هذه العشيرة علي بلدة الفلاحية و نصبت عليها حاكماً من العلويين اسمه جابر السيد مشغل.

تحرج الوضع في المنطقة بالنسبة للانكليز، و اعترف الشيخ خزعل انه فقد سيطرته علي العشائر. و قد استطاع الشيخ خزعل أخيراً من جمع قواته، فأرسل قسماً منها بقيادة حنظل ابن أخيه نحو عشيرة الباوية فدحرها، كما أرسل القسم الآخر بقيادة ابنه الاكبر جاسب نحو عشيرة بني كعب فأنزل بها هزيمة منكرة.

و كان الجنرال باريت قد أرسل الي بلدة الاهواز قوة بقيادة الجنرال روبنصون، وقد وصلت هذه القوة اليها في 15 شباط. و في ظهر 2 آذار تحرك روبنصون علي رأس جنوده قاصداً ضرب القوة التركية التي كانت معسكرة في موضع يقال له " الغدير" تحت قيادة توفيق بك الخالدي. وقبل أن تشرق الشمس في اليوم التالي كان روبنصون قد وصل على بعد أربعة أميال من معسكر الاتراك، وأمر باطلاق مدافعه عليهم. ولكنه فوجيء بجموع من العشائر تنهال عليه من الجانبين. انه كان ينوي مباغتة القوة التركية ولكن العشائر هي التي باغتته. و نشب من جراء ذلك قتال عنيف تكبد فيه الفريقان خسائر فادحة. وشاع الارتباك في القوة النكليزية، و لم تتمكن من الانسحاب الا بصعوبة. وقد غنمت العشائر منها غنائم كثيرة كان من جملتها مدفعان أحدهما صحراوي و الآخر جبلي.

اقترف الاتراك أثناء المعركة غلطة ساعدت القوة الانكليزية علي النجاة، فقد أخذ الاتراك لشدة حماسهم يقذفون قنابلهم علي العشائر التي كانت تقاتل معهم(يالهم من حمقاء!!). ومهما يكن الحال فان أفراد العشائر ابدوا في تلك المعركة شجاعة أذهلت الانكليز. يقول موبرلي في وصفهم: أن لهم مقدرة فائقة على السرعة في التنقل والحركة، ففرسانهم يسبقون فرساننا دائماً، أما المشاة منهم فان رشاقة أقدامهم تكنهم من مصاولة أفراسنا، وقد شهد ذلك ضابط هندي كان يمتطي مهراً من أمهار البولو اذ وجد أن أفراد العشائر في جريهم علي أقدامهم كانوا أسرع منه، و لولا تدخل مدفعيتنا لما استطاع الهرب منهم.

وعلى أثر انتهاء المعركة أعلن غضبان البنية رئيس بني لام جائزة بمبلغ من الليرات الذهب يدفعها لكل من يأتي له برأس رجل بريطاني أو هندي. وقد أدى هذا الاعلان بأفراد العشائر الي حز رأس كل جريح يقع في أيديهم طمعاً بالجائزة. و يروي ويلسون حادثة طريفة وقعت بسب ذلك خلاصتها أن جريحاً بريطانياً أحاط به بعض أفراد العشائر و أفهموه عن طريق الاشارة أنه يجب أن يستعد لقطع رقبته، فطلب منهم مهلة ليخلع حذاءه، و ظنوا أنه يريد أن يصلي، ولكنه غافلهم و قذف حذاءه في وجوهم، فأطبقوا عليه وقتلوه.

اثر الجهاد في الكويت:

كان بين الشيخ خزعل و الشيخ مبارك الصباح أمير الكويت صداقة متينة جداً، وكثيرا ما كان أحدهما يزور الآخر في مقر امارته ويقضي معه أياماً. واتفق أثناء استفحال حركة الجهاد في عربستان أن كان الشيخ مبارك في زيارة صديقه في المحمرة، فأراد أن يساعده في محنته، فكتب الى ولده الشيخ جابر في الكويت يطلب منه ارسال قوة من حملة السلاح الكويتيين ليشد بهم أزر الشيخ خزعل و يرهب العشائر الثائرة عليه.

كان في الكويت يومذاك اثنان من رجال الدين يحرضان الناس على الجهاد لنصرة الدولة العثمانية هما: محمد الشنقيطي وحافظ وهبة. و عندما تلا الشيخ جابر رسالة والده على أهل الكويت امتنعوا عن تلبية طلبه، وجاء افراد منهم وهم يحملون مسدساتهم تحت ثيابهم و قالوا لجابر:" لا نسمع لقولك ولا نطيع حتى وان أمرت بقتلنا، فخيرلنا أن نموت علي الاسلام من أن نموت علي الكفر...".

أخبر الشيخ جابر والده بما جرى. فتملكت الشيخ مبارك سورة من الغضب الشديد، و كتب الى ولده يتوعد الذين حرضوا الكويتيين على عصيان أمره ويقول انه سينزل بهم العقاب الصارم حالما يعود الى الكويت. وقد خشي أهل الكويت مغبة هذا التهديد فأرسلوا الى الشيخ مبارك وفداً منهم ليعتذروا له، ولما قابله الوفد أغلظ لهم القول وأسمعهم تأنيباً قارصاً وقال لهم: " أن أخي خزعل ليس في حاجة اليكم، وها انكم تشاهدون بأعينكم القوة الكبيرة المتجمعة لدية، واني لم أرد منكم رجالاً للاشتراك بالقتال ولكني أردت سفناً لنقل ما يجب نقله من حلاله وأمواله الى الكويت. اذا اقتضت الضرورة، فعليه ارجعوا من حيث أتيتم و بادروا بارسال ما يمكنكم من السفن بأسرع ما يمكن". و عندما عاد الوفد الي الكويت تم تجهيز ست سفن كبيرة فيها مائة و ثمانون رجلاً، وقد رابطت هذه السفن أمام قصر الشيخ خزعل في الفيلية مدة تقارب الشهرين ثم عادت الى الكويت.

ولما عاد الشيخ مبارك الي الكويت أخيراً استدعى اليه محمد الشنقيطي و حافظ وهبة، وقد حضر الاجتماع معهم المعتمد السياسي البريطاني في الكويت الكولونيل كري. فقال الشيخ مبارك يخاطب الرجلين:" أنا مسلم عثماني أغارعلى ديني و على دولتي و لا أحب من يمسها بسوء غير أني اتفقت مع الانكليز علي أمر فيه نفع لي ولبلدي، و لهذا لا أرضى بالطعن فيهم و ان كنت لا أحبهم و ديني غير دينهم".

أخذ الشيخ مبارك بعد هذا يتتبع المحرضين على العصيان فعاقب بعضاً منهم، وعفا عن بعض، كما فر من الكويت آخرون. وكان من جملة الفارين من الكويت محمد الشنقيطي حيث التحق بالمجاهدين في معركة الشعيبية.

 07/12/2007