|
"المؤتمر القومي العربي": تناقضات تشلٌ الفعل بقلم: نقولا ناصر * إن "المؤتمر القومي العربي"، الذي يعقد دورته ال18 بالمنامة في البحرين ما بين 28 نيسان/أبريل و1 أيار/مايو 2007 وسط هدير المناورات الأميركية – البحرينية "الدفاعية" المشتركة، له حلفاء أنداد ومنافسون في الوقت نفسه، غير أن حالهم في المؤتمر القومي – الإسلامي وفي المؤتمر العام للأحزاب العربية ليس أفضل من حاله، وسوف يستمر هذا هو حال الجميع ممٌن يتصدٌون للهمٌ القومي على الأرجح طالما استمر القصور الذاتي لديهم جميعا وطالما استمر النظام العربي، عفوا الأنظمة العربية، ترى في نُخبها الفكرية والأكاديمية والعلمية خطرا عليها ينبغي قمعه، إذا لم يتسن كسبه كديكور للحكم يُستمع له أحيانا ويتم تجاهله في أغلب الأحيان لكن لا يؤخذ برأيه أبدا، ثم ليتساءل الجميع مستهجنين بعد ذلك عن هوية القيادات التي تقفز من عمق التاريخ لتقود الجماهير اليائسة في محنتها القومية.
وينعقد المؤتمر في خضم تناقضات موضوعية وذاتية بين الطموح القومي وبين التشرذم القطري، وبين الأداة العاجزة وبين الفعل الممكن، لمناقشة مسودة "المشروع النهضوي العربي" وتقرير "حال الأمة" عن العام 2006 الذي يصدره مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت، لبنان، وسط واقع صراع مصيري بين الأمة وبين أعدائها، صراع يُوسٌع الفجوة بين النُخب الحاكمة والثقافية على حد سواء وبين حركة المجتمع، وبسبب هذه الفجوة المتسعة تحديدا تقفز القوى الاجتماعية النقيضة للحكام والمثقفين والنهضة إلى قيادة هذه الحركة، في إطار تحرك فطري للدفاع عن الذات بالانكفاء إلى ثوابت الإيمان والموروث الثقافي والتراث الحضاري، بحثا في الماضي عن وسائل تاريخية للخلاص بعد أن فشل الحاضر في إنقاذ المستقبل بتوفير مقوٌمات البقاء.
ولا يُتوقع أن يزيد "تقرير حال الأمة" على كونه توثيقا لحال تعرفه الأمٌة جيٌدا لأنها تعيشه مُكتوية بناره، لذلك فإن مناقشة "المشروع النهضوي العربي" ستكون هي مركز الاهتمام في هذه الدورة المخصٌصة لمناقشته أصلا، ولذلك أيضا ينبغي أن يكون هذا المشروع هو محور اهتمام المعنيين بمتابعة أعمال المؤتمر، لأن فيه تكمن التناقضات التي على الأرجح ستبقيه حبرا على ورق سواء بقي "مسودة" أو أُقر كمشروع.
تناقضات ويكمن التناقض الأول في زمان طرح المشروع. صحيح أنه محاولة لتلمٌُس مخرج للأمة من مأزق وضعها الراهن، لكن فكرة النهضة نفسها تصلح لإصلاح حال أُمٌة تجمٌدت حالها وأصبحت بحاجة إلى تحرٌك قوى التغيير فيها لإخراجها من جمودها، لكن الدعوة إلى نهوض أمة مهدٌدة في وجودها بمخاطر خارجية تهدٌد باستئصالها ديموغرافيا وثقافيا وجغرافيا بهدف مصادرة دورها السياسي وإلغاء فعلها التاريخي إنٌما هي دعوة تبدو خارج زمنها لأن الشروط الموضوعية لنجاحها بحاجة إلى تقديم أولوية أخرى عليها، فالنهضة لا يمكن أن تكون إلا في إطار التحرر والسيادة والوحدة، لأن انتفاء هذه الشروط المُسبقة هو نقيض لأي نهوض مأمول. ومن هنا السؤال: لمن الأولوية ؟ أهي لمشروع نهضوي عربي أم لمشروع تحرري عربي؟ إن دول الجامعة العربية هي إما تحت الاحتلال العسكري المباشر أو عمليا تحت الانتداب الأجنبي أو هي محاصرة حتى تخضع لواحد منهما، فهل سيكون أي مشروع للنهضة في ظل ظروف كهذه مختلفا في نتيجته عن المشروع الذي أقام الجامعة العربية في بيئة جيوبوليتيكية مماثلة؟
إن طرح المؤتمر لمشروع "نهضوي" بدل مشروع "تحرري" ناجم عن تناقض بين مقدٌمات الحالة التي أصاب المؤتمر في بيان دورته السابقة في تشخيصها وبين النتيجة "الإصلاحية" التي يخلص إليها لمعالجة حالة بحاجة إلى ثورة لا إلى "إصلاح". فإذا كان "مركز الضغط"، حسب بيان المؤتمر في دورته السابقة، "هو القوى الإمبريالية والصهيونية الساعية بدأب ثابت في تنظيم هجوم مركز على منطقتنا العربية" مما تمخض عنه "الاستباحة الصارخة للأمن القومي العربي" و "الحجر والوصاية على القرار العربي ومصادرة أي شكل من أشكال استقلاليته"، حيث "الدولة والمجتمع في الوطن العربي هما في أزمة انفصال ومواجهة"، كيف عندئذ يخلُص المؤتمر إلى أن "قاعدة حل الأزمة القائمة... هي الإصلاح بمفهومه الشامل"؟!
تقول أدبيات "المؤتمر القومي العربي" إنه في استراتيجيته يسعى إلى الإسهام في شحذ الوعي العربي بأهداف الأمة وهي الوحدة العربية، والديموقراطية، والتنمية المستقلة، والعدالة الاجتماعية، والاستقلال الوطني والقومي، والتجدٌد الحضاري ثم التفاعل بين هذه الأهداف جميعها. صحيح أن المؤتمر لا يدٌعى احتكاره لتحقيق هذه الأهداف ويكتفي متواضعا بالسعي إلى "الإسهام في شحذ الوعي العربي" بها، لكن الصحيح أيضا أن المؤتمر مقصٌر في مهمته "التوعويٌة" لأنه "لا يسهم" في شحذ الوعي بأن كل هدف منها على حدة يحتاج إلى ثورة لتحقيقه، وأن مفتاح هذه الثورة هو الوحدة التي بدونها يستحيل تحقيق الأهداف الأخرى كافة، وأن مفتاح هذه الوحدة يكمن في وحدة النضال من أجلها، وأن وحدة النضال تقتضي وجود آليات تضمن وحدة العمل التنظيمي، وأن الأنظمة والقوى السياسية المعارضة عاجزة بالقدر نفسه عن الإمساك بهذا المفتاح حتى الآن. إن تقصير "المؤتمر" في هذه التوعية يحوٌل اللقاء الوحدوي الدوري لأعضائه في حضن هذه العاصمة العربية أو تلك من عواصم التجزئة إلى تعبير مزيف عن الطموح الشعبي إلى الوحدة من ناحية، ويضفي الشرعية على التجزئة بمهادنته لعواصمها التي تستضيفه متناوبة، مما يعطي الانطباع بأنها جزء من "المشروع النهضوي" بينما بقاؤها عواصم للأمة الوحيدة المجزٌأة في عالم اليوم يمثل العقبة الكأداء أمام أي نهضة مأمولة من ناحية ثانية، وفي ذلك تناقض بين الهدف المعلن للمؤتمر وبين الطرق المُوصلة إليه.
وعلى سبيل المثال لا الحصر، يتضح هذا التناقض بين الهدف المعلن للمؤتمر وبين استضافة الواقع الرسمي العربي له في استنكاف المؤتمر في الأقل عن نقد قوانين قطرية تحظر التواصل والتفاعل القومي بمنع الالتحام التنظيمي بين أبناء الأمة الواحدة مثل قانون الأحزاب الأردني. وقد استضافت المغرب والجزائر الدورة السابقة والتي قبلها على التوالي دون أن تسمع من المؤتمر موقفا محددا حازما من قضية تعطٌل حدٌ الشلل تفعيل الإتحاد المغاربي كقضية الصحراء الغربية. وها هي المنامة تستضيف المؤتمر دون أن تتوقع إحراجها كإحدى عواصم مجلس التعاون الخليجي بأي إنتقاد للقوانين التي تحكم العمالة العربية في الدول الست أو في الأقل بمطالبة حييٌة بمساواة العربي بالأميركي في منح تأشيرات الدخول إلى دول المجلس، بينما يحذر المؤتمر من "خطر الاختلال السكاني في غير صالح عرب الخليج"، ناهيك عن توقٌٌُع ولو تلميح إلى مطالبة جادٌة بإنهاء القواعد والتسهيلات العسكرية الممنوحة إلى قوة تحتل قطرا عربيا في العراق وتكاد تكون شريكا للاحتلال "الإسرائيلي" لقطر آخر في فلسطين ومظلة داعمة للاحتلال الإثيوبي لقطر ثالث في الصومال، إلخ، بالرغم من تقارير المؤتمر عن حال الأمة التي تحذر تكرارا من التغوٌل والهجوم الأميركي الإقليمي الشامل الذي أوصل الأمة إلى ما وصفه المفكر فهمي هويدي بـ"تآكل العرب ماديا ومعنويا". ويتضح تناقض المؤتمر كذلك في التوفيق بين استراتيجيته المعلنة وسياساته التي تحاول عبثا التوفيق بين هذه الإستراتيجية وبين التوافق مع النظام الرسمي العربي في موقف المؤتمر المشوش من القضايا التي تكاد تشلٌ الحياة في العاصمة التي يتخذ منها مقرا دائما له في بيروت.
ثمٌ كيف يستقيم، مثلا، تحديد المؤتمر للتنمية هدفا استراتيجيا له دون مواجهة النظام الرسمي حول إدارة وطرق استثمار العائدات النفطية لأقطار متخمة بوفرتها وأقطار تحوٌلت إلى رهائن للمانحين نتيجة شح عائداتها، خصوصا وأن الخشية من تهديد الاتهام بالشيوعية قد فقد مسوٌغاته بانهيارها، أو كيف يستقيم تحديد الديموقراطية هدفا آخر له دون أن يتصدى لقوانين الطوارئ التي تشل التنمية الاقتصادية والسياسية وتحوٌل الجمهوريات إلى ملكيٌات في الأقطار ذات الثقل في تقرير مصير الأمة، أو حديث المؤتمر عن التجدٌد الحضاري دون التصدي للأُصوليات التي تفرٌخ يوميا حركات سياسية طائفية ومذهبية تهدٌد بتحويل تجزئة "سايكس – بيكو" إلى ماض قد تتمنى الأمة فيما بعد لو تأبٌد، أو الحديث عن الوحدة دون الحديث عن السياسات القطرية التي تسعى إلى تخليد كيانات التجزئة الراهنة كأمم قائمة بذاتها لمصالحها الأولوية على المصلحة القومية مما يسوٌغ لها الإنفراد بقرارات الحرب والسلم وعقد التحالفات والمعاهدات الدولية بذريعة الدفاع عن الذات التي لا تفرٌق بين بقاء الحكم وبين وجود الأمة.. الخ.
وعندما تُجمع حكومات الأمة مثلا على السلام "كخيار استراتيجي" مع العدو الإستراتيجي "الإسرائيلي" للأمة، حسب أدبيات المؤتمر، ويُجمع معظمها على التحالف الاستراتيجي مع القوة الأميركية الأعظم التي أعلنت عزمها جهارا على إعادة تركيب البنية السياسية للمنطقة، ألا يجدر بالمؤتمر في الأقل أن يعيد النظر في علاقاته غير التصادمية مع هكذا إجماع أو شبه إجماع "رسمي"، أو أن يصدُق جماهيره ك"ضمير قومي" لها بحقيقة موقفه ليقول لها إن الإجماع الحكومي يتفق أو لا يتفق مع ما يراه المؤتمر مصلحة قومية؟ وفي حال ارتأى في ذلك مصلحة قومية، ألا يجدر بالمؤتمر أن يتساءل عن جدوى الاستمرار في معدل الإنفاق الحالي على التسلح على حساب التنمية، حيث يبلغ متوسط نصيب الفرد من هذا الإنفاق في بعض الأقطار 2134 دولارا أميركيا في السنة بينما المتوسط العالمي 134 دولارا فقط ؟ ثم أيضا ألا يجدر به التساؤل عن جدوى هذا الإنفاق في الأصل طالما لم يحاول حتى أن يتصدى للاختراق واسع النطاق للأمن القومي العربي الحاصل الآن؟ هذه مهمات للمؤتمر لـ"شحذ الوعي العربي" لم يعد في وسعه التنصل منها، أم أنه سيتركها للشيخ أسامة بن لادن!
وفي هذا السياق، هل يمكن أن نتوقع من المؤتمر أن يحدد له موقفا تسترشد به جماهير الأمة من ظاهرة حديثة ربما تكون علامة تجارية خاصة بالعرب، وهي ظاهرة "الاحتلال الديموقراطي" الذي يجيز إجراء انتخابات عامة بحماية حرابه تشهد بنزاهتها فرق المراقبين الأجانب وتتمخض عنها حكومات تشهد الدول القائمة بالاحتلال بشرعيتها لتلحق بها الدول العربية في الاعتراف بحكومات كهذه المنتخبة في فلسطين والعراق! وتلازم هذه الظاهرة أخرى هي ظاهرة الحكومات الشرعية المماثلة التي لا بُنى تحتية لدولها مثل الحكومات الفلسطينية والعراقية والصومالية التي لا تختلف عن "حكومات المنفى" إلا في كونها موجودة داخل أوطانها وفي كون حكومات المنافي تمثيلية أكثر منها. ما رأي المؤتمر القومي العربي في ظاهرة "الاحتلال الديموقراطي" هذه؟
المهمة المحك وهناك الآن فرصة أمام المؤتمر لأداء مهمة عربية قد تكون المحكٌ لدور فاعل يقوم به على المستوى القومي، دور يُخرجه من قوقعته النخبوية ويضعه في موقع الالتحام مع جماهيره المفترضة مما قد يحوٌله إلى "لوبي" ضاغط إيجابي في اتجاهات عدٌة. وتتمثل هذه المهمة في تحرك جادٌ يستهدف تعزيز وحدة النضال القومي بدفع وتشجيع "المقاومات" العربية في فلسطين والعراق ولبنان والصومال في الأقل على تنسيق استراتيجيٌاتها بالحوار فيما بينها، من ناحية، لإنشاء جبهة شعبية تستقطبها لتلتف حولها جميعا فتخفٌف عنها بعض الحصار الناجم عن حدود التجزئة وشراسة الأعداء وعداء بعض الأنظمة، ثم محاولة التوفيق حيثما أمكن بين هذه المقاومات وبين الحكومات العربية من ناحية أخرى، بتشجيع من يستطيع من هذه الحكومات على دعمها أو تطمين من لا يستطيع منها تقديم الدعم لتحييدها بتوضيح أن الخطر عليها يأتيها من القوى المعادية الأجنبية لا من هذه المقاومات، إضافة إلى التزام المؤتمر بتدعيم المؤسٌسات الرسمية للعمل العربي المشترك، فهذه لا تتعارض مع تلك بل تكملها.
ويتوفر حدٌ أدنى من الأرضية المشتركة يجعل من هذه المهمة "ممكنة"، فانتقال (حماس)، بانفتاحها على "العمق العربي والإسلامي، إلى موقع الشريك في صنع القرار الفلسطيني قد وضع حدٌا لرهبة قيادة منظمة التحرير من التفاعل مع المقاومة العربية في أقطار أخرى خشية الاتهام الأميركي – "الإسرائيلي" لها بالعنف والإرهاب مما يتعارض مع الاتفاقيات التي وقٌعتها مع "إسرائيل".
أمٌا "حزب الله"، العمود الفقري للمقاومة اللبنانية، فإن زعيمه السيٌد حسن نصر الله قد أعلن دون مواربة دعمه للمقاومة العراقية ومعارضته لـ"لعمليٌة السياسيٌة" التي يرعاها الاحتلال في العراق، كما أن "جيوش" المقاومة الوطنية العراقية لا تفوٌت فرصة لمناشدة العرب قيادات وشعوبا وتنظيمات لدعمها، ومثلها تفعل المقاومة الصومالية، وقد لفت النظر دعوة مماثلة لتوحيد المقاومات العربية وجٌهها مؤخرا د. صلاح المختار، الناطق شبه الرسمي باسم "المقاومة البعثية"، إن توجها كهذا يمثل ردٌا منطقيا على تعامل القوى الخارجية المعادية مع المنطقة العربية كوحدة متكاملة مُستهدفة في إطار منظور أميركي – "إسرائيلي" استراتيجي مُوحٌد بينما يشتٌت العرب جهودهم الدفاعية بين 22 دولة ومقاومات متفرقة لا واصل بينها، كما ينسجم مثل هذا التوجٌه مع إقرار المؤتمر عام 2004 لتعميم ثقافة المقاومة لكل ما يهدٌد أمن الأمة واستقلالها، وربما يكون الأمين العام الأسبق للمؤتمر د. خير الدين حسيب مؤهلاً لوضع خطة لهكذا توجٌه استرشادا بمشروعه المعروف "للخلاص الوطني والقومي في العراق".
قصور ذاتي وإذا كان يمكن بمعنى ما اعتبار المؤتمر "قمة ثقافية" شعبية لم تفتأ تحض على حماية الهوية العربية فإن "القمة الرسمية" للأمة تكاد تتقدم عليه في ذلك كما اتضح من بيان قمة الرياض الأخيرة حول هذه الهوية، طالما يدور الحديث عن سباق بين القمتين في الأقوال لا الأفعال، لأن المؤتمر منذ تأسيسه عام 1990 حكم على نفسه بأن يظل نُخبة عاجزة عن حفز وقيادة أي تحرك جماهيري يساند استراتيجيته، مما يقود إلى التناقضات الذاتية التي تشلٌ أي فعل له غير أن يستمر كتجمع نخبوي للإنتلجنسيا يصدر نتاجا أكاديميا لا يجد طريقه إلى الوعي الشعبي وبالتالي لا يجد له سبيلا إلى الفعل، بالرغم من الأهمية الثقافية والتثقيفية لهذا النتاج.
ويتمثل التناقض الذاتي الرئيسي في القصور الذي رافق المؤتمر منذ تأسيسه وهو غياب الآليات والوسائل اللازمة لتطبيق استراتيجيته. يقول الدكتور يوسف مكي في ذلك إن: "أي مشروع نهضوي (أو تحرري)، حاله حال المشاريع الاقتصادية والسياسية الأخرى، يتطلب حاملا ومُنفٌذا له". ولا بد لهذا الحامل أن يكون نقيضا للواقع الذي يستهدف تغييره، فإذا كان هذا الحامل حزبا أو مؤتمرا أو تجمعا أو أي إطار آخر فأنه ينبغي أن ينفي التجزئة بالوحدة في فكره وتنظيمه، وينفي الاستبداد بالديموقراطيه في بنيته (وهنا تجدر الإشارة إلى المركزية الشديدة التي بني على أساسها المؤتمر التي شبهها أحدهم بمجمع الكرادلة المقدس في النظام الكنسي خصوصا فيما يتعلق بانتخاب ألأمين العام للمؤتمر)، وينفي التناقض بين القول والفعل الذي يميز الأنظمة القائمة في ممارسته، إلخ. وفي هذا التناقض الأساسي يكمن السبب في عدم وجود أي أوجه شبه بين المؤتمر العربي وبين "المؤتمر الهندي" أو "المؤتمر الوطني الإفريقي"، على سبيل المقارنة، اللهم إلا في الاسم فقط، أو ربما ما زال مؤتمرنا العربي بانتظار من يقوده من معدن المهاتما غاندي أو نلسون مانديلا حتى يخرج من قوقعته النخبوية ليلتحم بالجماهير ذات المصلحة في استراتيجيته المعلنة.
وما يزال المؤتمر عاجزا عن خلق النقيض لواقع "أنظمة عربية لا تتماثل في نشأتها وهياكلها ودساتيرها ومؤسساتها، وأيضا في اختلاف وسائل إنتاجها وطريقة عيشها... لأن الدولة القطرية في الوطن العربي، وخصوصا في مشرقه، لم تتحقق في الغالب نتيجة إرادة شعبية، بل كانت حدودا مرسومة في ظل انعدام لتوازن القوى بين الأمة وبين الاستعمار التقليدي"، كما قال د. مكي. والمفارقة أن المؤتمر قد اختار عن وعي ألا يعمل من خلال أي آليٌة كهذه، بل إنه يعتز بعدم انتماء أعضائه إلى أي تنظيم أو حزب ويفتخر هؤلاء الأعضاء باستقلاليتهم عن كل التنظيمات القومية وبكونهم فوقها جميعها. وإذا كان لم يُسجٌل على أي منهم افتخاره بأنه ما يزال فوق الجماهير أيضا فإن معظمهم قد اعترف علنا بانفصال المؤتمر عن الجماهير لكن قلٌة منهم فقط هي التي تعترف كذلك بانفصالهم كأفراد عن الجماهير التي يتصدون للدفاع عن مصالحها ويدٌعون بتواضع النخبة الواثقة تمثيلهم لطموحاتها. وهنا لا بد من التساؤل سريعا عن المعايير التي يجري بناء عليها "انتقاء" أعضاء المؤتمر. * كاتب عربي من فلسطين المحتلة nicolanasser@yahoo.com
|