ماذا بعد مؤتمر أنابوليس؟

أبو شريف الأحوازي

بعجالة تحركت ماكنة السياسة الخارجية  للولايات المتحدة الأمريكية لتعلن عن قرب مؤتمر يجمع بين الفلسطينيين و العرب من جهة و الإسرائيليين من جهة أخرى في وقت لا يحسد العرب على وضعهم الداخلي خصوصا الفلسطينيون فهم في اضعف حالتهم ‘ حيث الانقسام و الاقتتال الداخلي و وجود دولتين في الضفة و عزة‘ تضمر كبير في الشارع الفلسطيني وقضايا عربية مهمة مثل العراق و لبنان تشغل الرأي العالم العربي و الدولي عن القضية الفلسطينية ‘ و على الصعيد العربي  ‘ وجود جبهة قوية مساندة للخطط الأمريكية في ما يسمى بشرق الأوسط الكبير و انفراد سوريا من البيت العربي إلى جانب بعض المنظمات المنبوذة دوليا مثل حزب الله الضراع الإيراني في لبنان ‘ في تلك الظروف و الحالة المأساوية يسأل المتابع .

 ما هي  الظروف التي أدت بالولايات المتحدة الأمريكية و برئيس الأمريكي جورج بوش إلى تبني عملية السلام من جديد بعد إن غابت عن السياسية الخارجية الأمريكية و لمدة سبع سنوات من رئاسة بوش؟ هل تخوف الأمريكيين و الإسرائيليين  من العرب و الفلسطينيين وهم في حالة ضعف لم يشبه لها مثيل طيلة فترة الصراع العربي الإسرائيلي ؟ أم إن هناك أمور وقضايا أخرى فرضت نفسها على السياسة الخارجية الأمريكية لتنفيذ خططها في الشرق الأوسط أوصلت بها إلى قناعات منها يجب تسوية الصراع العربي الإسرائيلي للتفرق إلى أمور أكثر أهمية . ومن وجهة نظرنا المتواضعة أن الأمريكان و حليفتهم إسرائيل يدركون الضعف العربي و الفلسطيني بعد أن التحقت كل الدول العربية بركب الأمريكي في حربها على العراق و الإرهاب و التطرف كما يسمى في منطقة الشرق الأوسط و العالم ويدركون جيدا أن العرب على الصعيد الرسمي لم يشكلوا أي تهديد للسياسات الأمريكية ومستعدون للتطبيع مع إسرائيل و يبحثون عن حل للقضية الفلسطينية يحفظ لهم ماء الوجه. إذن ما سبب التحرك الأمريكي لتسوية القضية الفلسطينية ؟

أولا: إيجاد حل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي و إعطاء غطاء وشرعية للعلاقات العربية الإسرائيلية المتنامية وإدخال إسرائيل في مشروع  الشرق الأوسط الجديد.

ثانيا :امتصاص غضب الشارع العربي و تحسين الوجه الأمريكي على الصعيد الشعبي بعد احتلال العراق والظهور بالمظهر الجديد والوسيط النزيه بين العرب و إسرائيل خصوصا بعد  إن أصبحت كل الدول العربية في الخط الأمريكي؟

ثالثا: أرضاء القيادات العربية المتخندقة في الخط الأمريكي في محاربتها للإرهاب وتنفيذ سياساتها في الشرق الأوسط و التي ترى في حلحلة القضية الفلسطينية تجر البساط من الكثير من المنظمات المتطرفة في العالم الإسلامي  وخصوصا  من إيران .

رابعا: للتخلص من الأعباء المالية والسياسية الباهضة  التي تدفعها الولايات المتحدة الأمريكية  للحفاظ على إسرائيل في المنطقة.

خامسا :الضغط على سوريا ومحاولة عزلها عن إيران بعد إدخالها في مؤتمر انابولس كشريك لعملية السلام.

سادسا: واهم من كل ما ذكرنا نعتقد مواجهة السياسات الإيرانية في المنطقة .

 إن الولايات المتحدة وإسرائيل و العرب معا وصلوا إلى قناعة مشتركة أن هناك عدونا مشترك لكل واحدا منهم وهو إيران وهو عقبة امام استقرار المنطقة وأمنها. و الذي أثبتت هذا من خلال سياساتها التوسعية في منطقة الشرق الأوسط على حساب جيرانها العرب و المصالح الغربية في المنطقة ‘مما جعل الولايات المتحدة الأمريكية و إسرائيل و العرب في مثلث واحد في مواجهة إيران . و لكل ضلع  في هذا المثلث مصلحة معينه  تجمعه مع الإطراف الأخرى .

ما هي المصلحة العربية ؟ اثبت التوسع الايراني في العالم العربي نوايا إيران الخطيرة على امن الدول العربية المجاورة و البعيدة منها حيث تدخل إيران في العراق و تفتيته والعمل على خلق الفتنة الطائفية في العراق و تحريك مرتزقته في العالم العربي جعل الدول العربية و أولهم المملكة العربية السعودية تتحسس الخطر الإيراني الكامن على حدودها كما هو حال باقي دول الخليج العربي مثل الكويت و البحرين و الأمارات العربية المتحدة وحتى قطر الذي تتظاهر بعلاقات متناسبة مع إيران . إما على صعيد تدخل إيران في القضية الفلسطينية و لبنان و اليمن و السودان و الجزائر و مصر. فالتدخل الإيراني مفضوح ليس على الصعيد الرسمي العربي بل حتى على الصعيد الشعبي مما جعل الجماهير وفي  مناسبات عدة تخرج بمظاهرات غاضبة إمام السفارات الإيرانية مطالبة السلطات بطرد السفير الايراني من  الأردن و البحرين . إما تخوف الدول العربية من حصول إيران على الطاقة النووية و بتالي السلاح النووي تخوف مشروع في ظل السياسات التوسعية الإيرانية مما يجعلهم يبحثون عن حلفاء اقوياء يشاركوهم في مواجهة سياسات إيران و يمنعوا تدخله وتوسعه خاصة بعد احتلال العراق و تخلخل ميزان القوى في المنطقة وعدم قدرة العرب على الدفاع عن أنفسهم في حال تعرضوا لأي تدخل عسكري إيراني أو تحريك إيران لعناصرها و خلاياها التخريبية مثل ما تفعل في لبنان و اليمن. وهذا ما يجعل العرب أن يبحثون عن الحلفاء ويشكلون احد أضلاع المثلث الإسرائيلي الأمريكي في مواجهة إيران .

المصلحة الأمريكية ؟  الولايات المتحدة الأمريكية كدولة عظمة لها استراتيجيتها البعيدة المدى في العالم و خصوصا في منطقة الشرق الأوسط تدرك جيدا أهمية منطقة الشرق الأوسط من خلال المخزون الكبير لذخائر النفط و الغاز الموجود في هذه المنطقة . وتدرك جيدا إن من يتمكن السيطرة على هذه المنطقة هو من يتحكم بمسير الاقتصاد العالمي في المنافسة الشرسة القائمة بين أقطاب العالم الرأسمالي وخصوصا أمريكا ‘ أوروبا ‘ و الصين ‘ و اليابان ‘ وتدرك جيدا ايضا خطر الاقتصاد الصيني المتنامي و القريب من منطقة الشرق الأوسط . وعلى هذا تعمل كل ما بوسعها للسيطرة و أحاكم سيطرتها على هذه المنطقة من خلال الأنظمة الحليفة لها. وهنا يكمن الخطر الايراني وما يملك إيران من الاحواز المحتلة من مخازن كبيرة من النفط و الغاز و التي تقدر بثاني اكبر مخزون للنفط في العالم بعد المملكة العربية السعودية . فالسيطرة على نفط الاحواز سيكمل المخطط الأمريكي للسيطرة على أبار النفط و الغاز ويجعل من أمريكا المهيمن الأول على غالبية الطاقة النفطية في العالم بعد إن تمكنت من احتلال العراق و السيطرة على نفطه بشكل مباشر. كما أنها تدرك جيدا إن حصول إيران على الطاقة الذرية يجعل منها دولة مارقة غير قابلة للسيطرة في المنطقة و العالم وستشكل تهديدا جديا على المصالح الأمريكية وهذا ما يجعل امريكا تقف بحزم إمام التوسع الايراني و تخالف حصول إيران على الطاقة الذرية  وبالتالي السلاح النووي . وكان كلام سيدة وزيرة الخارجية الأمريكية واضحة في كلامها حين قالت إن السلام الإسرائيلي العربي هو المصلحة الوطنية الأمريكية ‘وهذا يدل على ان لأمريكا في السلام العربي الإسرائيلي مصالح كبرى تتحقق في الشرق الأوسط أولها وأكبرها بناء أوسع حلف لمواجهة إيران .

ما هي المصلحة الإسرائيلية ؟؟ تكمن المصلحة الإسرائيلية في دخولها في هذا المثلث على عدة محاور. أولا المحور العربي ؟ دخول إسرائيل في حوار و مصالحة مباشرة مع العرب يضمن لإسرائيل الأمن و السلام و الانفتاح الاقتصادي في منطقة لا يجاوره فيها إلا العرب كما يفتح أبواب السوق و الاقتصاد العربي الواسع. أما المحور الثاني هو مواجهة التهديد الايراني. إن التهديد الايراني المباشر وادعاءات الساسة الإيرانيين وباني جمهوريتهم الدكتاتورية خميني في محو إسرائيل من الخارطة ودعمهم للمنظمات الرافضة لعملية السلام جعلت إسرائيل و إيران في مواجهة. إيران الذي تطلق هذه الشعارات من الأساس لكسب الشارع العربي و التوسع في العالم العربي و خلق الفتنة بين الدول العربية و شعوبها وضعت نفسها في عداء لا ترغب فيه مع إسرائيل وهذا ما يدركه العرب جيدا ‘إن الشعارات الإيرانية ضد إسرائيل هي موجهة ضد القادة و الدول العربية وان إيران تريد زج العرب و إسرائيل في حرب من اجل إن تنفرد في المنطقة وتتوسع على حساب العرب و تكون المنتصر الوحيد في المنطقة وهذا ما أدركه العرب و الإسرائيليين معا مما جعل العرب يقفون موقف المتفرج في حرب صيف 2006 بين إسرائيل و ممثل إيران حزب الله في لبنان  و يعتبرونه حربا إيرانية على ارض لبنان.

بعد كل ما ذكرنا نصل إلى نتيجة واحدة أن ما دفع العرب ومعهم جامعتهم العربية و المؤتمر الإسلامي يشاركون بكل ثقلهم في مؤتمر انابولس و ما جعل أمريكا و إسرائيل ومعهم أوروبا  يتحركون في نفس الاتجاه و بنفس الحماس هو مواجهة إيران العدو المشترك للجهات الثلث وعلى هذا سيكون الشرق الأوسط بعد مؤتمر انابولس يختلف تماما عن قبله و سيشهد تسارع في الإحداث و اول ما تباين من ذلك هرولة سوريا للحضور في المؤتمر والتباين الواضح بين موقفها وموقف إيران وحزب الله في لبنان وكذلك الحكومة المقالة في غزة ومن لا يدرك حجم تلك المتغيرات سيكون الخاسر الوحيد في لعبة السياسة وما يدور تحت الكواليس .

أبو شريف الأحوازي

29-11-2007

www.alahwaz.org