"كارون" يا نهر الوفة!

 

بقلم: محمود احمد الأحوازي

كنت ذات يوم عند غروب الشمس اقضي سويعة على ضفة كارون الجنوبية بالقرب من اقدم جسرها المعلق الجميل على حدود الجزيرة الخلابة في مدينة الأحواز البهية، انظر الى مياهه الشحيحة التي بالكاد تغطي بعض المجاري في وسط النهر وصخوره التي أصبحت تستهزء بغضب كارون الذي كانت تخافه على مدار العام  بعد سرقة مياهه بعيدا في الشمال.

في تلك اللحظات، كنت وبدل ان اتمتع بجمال النهر والجزيرة والجسر، كانت تترادف الآهات بخروجها من صدري حتى حرقت حنجرتي.

بعد ما تأملت قليلا ونظرت الى سماء الأحواز وسماء كارون رأيتها حزينة وغاضبة ومظلمة وكأنها تشاطرني المّي وتعاتب الزمن وتبكي على شموخ كارون والأحواز في ايام مجدهما وتتحسر لعودة ذلك المجد، مجد "جغازنبيل" العيلامي و"السوس" البابلي و " چاراکس" الیونانية وعسكرمكرم الإسلامي و عظمة مدينة الخضر(عبادان).

ومثل ما اعادتني ذاكرتي الى تاريخ كارون وتاريخ الأحواز لآلاف السنين، قفزت بي الذاكرة الى بدايات القرن الماضي حتى خمسين عام قبل اليوم عند ماكانت تسير في كارون السفن من تستر الى شط العرب وذلك قبل بناء "سد انديكا" في لرستان ونقل المياه الى اصفهان حيث جفت شطئان كارون ومزارعها بعد ما كانت المياه تطغى على سواحل مدينة الأحواز وتغمر مياهه البيوت والمزارع، وتقطع الطرق في بداية الصيف ونهايته.

وعدت مرة اخرى الى الجزيرة  الجميلة والجسر المعلق وانا اجلس الى جانبهما وانظر الى كارون الذي لم تتقبل ميهاهه الشحيحة الآن الإ "ابلام" صغيرة تتحرك فيه بصعوبة. كارون اليوم لم تعد مياهه تصل حتى الى السدود المحافظة للمدينة ولا تخرج مياهه لتقطع الطرق العامة، كارون لم يعد يؤمن مياه شرب لمدينة عبادان في مصبه في شط العرب حيث استشهد 18 من ابناء المدينة في تظاهرة عطش من اجل مياه عذبة لم تصلهم منذ سنوات حيث ظهرت عليهم جيوش يزيد بن معاوية على مشارف القرن الواحد والعشرين لتقتلهم على الشاطيء مثل ما قتلت قبل ذلك الإمام الحسين وعائلته واطفاله واصحابه قبل 14 قرن.

وقادني هذا كله لألعن الأستعمار وظلمه والعنصرية التي تسببت لحرماني وحرمان الشعب الأحوازي بكل ملايينه من نعم وطنه ومن سخاء تربته، من المياه والنفط وحتى من الرغيف وشربة الماء، العنصرية التي سرقت وعبثت بالمياه  ونقلتها زمرة حاقدة على كل ماهو عربي لمشاريعها الأستعمارية في المنطقة وخارجها في اصفهان واخيرا في يزد الذي يبعد اكثر من الف وخمس مائة كيلومتر عن الأحواز في الوقت الذي اصبح كارون لم يعد يروي عطش اهله حيث كسر الأحوازيون ( المدانه) و(الحب) اللذان كانا يملئانهما بمياه كارون العذبة في الصيف بسبب قلة مياه كارون الآن وتلوث ما بقي منها العائد من ري قصب السكر في مشروعه الإستعماري التفريسي على سواحل كارون وعلى اراضي الفلاحين المغتصبة.

 

هذا كان مجمل ما نقلته لي احدى الماجدات الأحوازيات والدموع تتلئلء في عينيها وتسئلني لماذا لا تكتبون عن كارون، وعن كربلاء الأحواز وحرمان خمسة الملايين من البشر من شربة ماء عذبة سرقها الأستعمار؟  الا يستحق كارون كتابة مقال أو قصيدة شعر أو مقطوعة موسيقية؟ الى يحرك كارون مشاعر الفنانيين والرسامين لرسم لوحة حزينه عنه يعلقونها الى جانب لوحات زهوه في الأخوين شرلي؟ اليس هو كارون الذي قيل عنه: "هذا كارون الأبو والكرخة امي؟"  

  

وتذكرت انا ايضا نهر كارون، نهر الخيرات، نهر الكرم والمحبة والأب الحنون الذي مد يد عطوفته على رؤوس اطفال الأحواز طيلة تاريخ هذه الأرض، كارون الذي شهد على عظمة الأحواز منذ فجر التاريخ وكان مصدر رزق  ملايين من فلاحي هذه الأرض و مزارعيها لقرون. ولم أنسى حتى الكارون عندما من "البني" و"الشبوط" والگطان" وصيادي كارون في عمق النهر في مدينة الأحواز وفي مصبه في مدينة المحمرة.[M1] كما وتذكرت زهو كارون عندما كنا نقفز من على جسره المعلق في وسط مياهه العميقة!! اين كل تلك المياه واين كارون المجد؟

وتذكرت كارون قبل الاحتلال عند ما كان قاعدة لتطوير صناعة البواخر المحلية الأحوازية في ايام الحفار وكان ينقل عن طريق الخليج العربي العنب والتمر والأغنام والأسماك النهرية والمصنوعات اليدوية والمحلية و "الخاچیه الدورگیه" الى  اسواق الخليج قبل النفظ. كارون الذي مد نفسه جسرا بين الاحوازيين من الشمال الى الجنوب وحافظ على الإرتباط بين الأحوازيين وعروبتهم عند ما اندمج بشط العرب لينقل الأحوازيين الى قلب الحضارة العربية، الى بغداد الرشيد الى حدائق بابل هناك.  

ومن منا لا يعرف كارون، كارون الوفة، الذي اجبر على مجافات اهله وحرمانهم من مياهه العذبة حتى يرضي  الحقد العنصري ويسقي لهم مزارع قصب سكرهم الإستعمارية التي كشفت  عن الحقد الفارسي بكل خفاياه. كارون الذي نقلت مياهه الى اصفهان وغيرها ليبينوا مدى اصرارهم على حرمان شعبنا وكأنما لم يكفيهم سرقة النفط، والظاهر ان السوائل هي الثروات الممكن نهبها،  ولو تمكنوا العنصريون من نهب التربة لفعلوا بالتأكيد ونقلوها مع مياه كارون الى اصفهان ويزد، لو تمكنوا من نهب النخيل لفعلوا بالتأكيد لكنهم  حرقوه وجففوه ومنعوه من تجميل سفرة الأحوازيين  وحرموا المؤمنين الأحوازيين من "حلاوة التمر" في رمضان والأطفال من "الهيس"، ولو تمكنوا؟ لحرموا الأحوازيين من الهواء الذي يتنفسونه!.

عنصرية عمياء حقا! لم يشهد التاريخ كثيرا مثل هذا الحقد، لم يشهد كارون قبل ذلك مثل هذا النهب ولم يشهد الأحوازيون ظلما بهذه القساوة حتى الآن، حرموا من ثرواتهم  النفطية التي استغلها العنصريون لبناء ترساناتهم القاتلة ومصانعهم  لسلاح الدمار الشامل المعادية للبشرية، حرموا الأحوازيون من حق المواطنة  حتى من الدرجة الثانية، حرموا الأحوازيين من لغتهم العربية ومن قرائة جريدة أو سماع نشرة اخبار بلغتهم في مدنهم وقراهم العربية، حرموا من لباسهم وزيهم العربي سجنوا بسبب الكوفية الحمراء، حرموا من تسمية مواليدهم باسماء عربية وحتى اسماء القبائل العربية تبدلت حيث اصبحت قبيلة بني اسد العريقة (  اسدي بور) وبني تميم التاريخية( تميمي زاده) وقبائل كعب الحاكمة( كعب اصل) وحرموا من كافة حقوقهم الأنسانية،لا بل وحرموا حتى من مياههم العذبة، منابع الحياة التي رزقتهم الطبيعة بها. لم يتوقع الأحوازيون ان يواجهون ما واجه الإمام الحسين قبل اربعة عشر قرنا! هل الكرة الأرضية توقفت عن الدوران؟ هل التاريخ تجمد ولم يتحرك منذ ذلك الوقت في الأحواز؟ هل وعدوا الأحوازيون ان يسقطوا تحت ظلم عنصرية فارسية لا ترحم الصغير ولاالكبير وتحرم الأحوازيين من كل ثرواتهم وخيراتهم حتى يتشردوا في العالم للبحث عن لقمة خبز لعائلاتهم ووطنهم يحتوي على ثاني اكبر خزائن نفط في العالم؟ هل وعدوا الأحوازيون ان تسرق حتى ثقافتهم وتاريخهم ويصبح العيلامييين ايرانيين والعرب اجانب على ارض عيلام؟ هل هناك من يرد على سئوالي؟ لماذا؟ هل كل هذا الحق لكوننا عرب فقط؟ هل شاهد التاريخ مثل ما واجهه الأحوازيين؟  

وماذا بقي للأحوازيين ولكارونهم بعد الآن  وبعد كل هذا الحرمان والتحقير؟ النضال بالتأكيد! جمال كارون ولذة وعذوبة مياهه وجمال الوطن يعودان عند ما يعود كارون لأهله، عند ما يطرد الغزاة واللصوص والمستعمرين من الوطن، عند ما تبعد الأيادي الملوثة من السيطرة على مياه كارون وعلى شواطيء كارون. كارون الجميل، دجيل التاريخ سيعود ويعود بالنضال بالتأكيد، الأوطان لا تعيدها المؤتمرات فقط ولا تعيدها الأحزاب والتنظيمات السياسية التي تقمع يوميا دون دفاع فقط، الأوطان لا تعيدها الوردة الحمراء لبعض الاحزاب فقط ولا بالمكاتبة والرسائل ولا حتى بالأمم المتحدة والمنظمات الأنسانية فقط، الأوطان تعود بيد اهلها، تعود بالنضال، الأوطان يعيدها ابناءها، ابناء الوطن والتاريخ لا يعود الى الخلف ولم تتحرر ارضا ولم يتحرر وطنا بدون القوة ولم يوجد ما يسعف المنبطحين في هذا المجال مثلا تاريخي واحد ومن لا يعرف كيف تحررت الشعوب في امريكا اللاتينية من سلطة الأستعمار الأسباني وكيف تحررت جنوب شرق آسيا من الإستعمار ومن لا يعرف من هو هوشي مين ومن هو موقابي ومن هو بن بله ومن هو ........... وعشرات الثوار الذين قادوا الشعوب للتحرر وحققوا النصر؟ الأحواز وهي عز الوطن تستحق منا ان نفعل لها ما فعل الفيتناميين وما فعل الكوبيين وما فعل الأفريقيين لأوطانهم. الأحواز وطن الخيرات، وطن الأنهر، وطن التاريخ، وطن الحضارة، وطن الأحوازيين. يستحق ان يبقى احواز وهذا ما ناشدنا به اطفالنا في حي الثورة وفي كوت عبدالله وفي الحميدية وغيرها عند ما قالوا:   احواز النه وما نطيهه ++++ بالروح وبالدم نفديهه.

 

 كارون   يا  نهر  الوفة،  انت   الأبو  الربانة

انت الذي اطفال الوطن   كلهه كبرت باحضانة

كارون يا نبع الكرم،  يا رمز لهل الغيرة

تبقى  رمزنا  للوطن، تبقى الوجه للديرة

15/03/2007