|
3 أيار 2007
المحكمة الدولية بين التحذير والتهليل.. ______________________
بقلم: خالـد حميـدان رئيس تحرير جريدة "الجالية" ـ كنداـ
يتأرجح لبنان اليوم بعد انتظار دام أكثر من سنتين في مسألة تشكيل المحكمة ذات الطابع الدولي، بين رافض محذر ومطالب مهلل في وقت ضاق ذرع هذا الشعب الذي يتطلع، دون كلل أو ملل مع إشراقة كل صباح، إلى خشبة خلاص تقيه شر الآتي الأعظم من المجهول.. وشأن هذه المحكمة هو شأن كل استحقاق في لبنان، يرغب فيه البعض ويرفضه البعض الآخر، في حسابات كيدية، ويذهب كل فريق للتفتيش عن الغطاء القانوني أو الدستوري لمواقفه. وقد شرّعت الأزمة السياسية في الآونة الأخيرة باباً واسعاً للكثيرين من المحللين والمفسرين والمجتهدين، الهواة منهم والمحترفين، الذين يتسابقون على شاشات التلفزة، للعمل على "تسلية الناس" القابعة في بيوتها حتى ضجرت منهم الشاشات وأصيب الناس بالإعياء والغثيان. وليس في النهاية من حل، على ما يبدو في القريب المنظور، سوى أنه يعمل كل استحقاق على تضخيم وتعقيد الأزمة السياسية التي انعكست على كل المرافق الحياتية وباتت تهدد لبنان في الصورة والكيان..
يهمني الإشارة، قبل معالجة النزاع القائم حول المحكمة الدولية، إلى أنني كنت أرجع للنصوص القانونية في كل مرة كنت أسمع بتفسير أو اجتهاد قانوني غير مألوف، للفصل بين مختلف المواقف السياسية التي كانت تقوم بناءً على تلك التفسيرات والاجتهادات. وكنت في كل مرة أتوصل إلى ذات النتيجة وهي أن التفسيرات، وإن كان لبعضها أسٌ قانوني، إلا أنها تعتمد في غالبيتها إما على نصوص مبتورة (غير كاملة) وإما على فهم خاطىء للنص وإما على بدعة مختلقة لا وجود لها في نص أو روح المادة القانونية. أو ليس من حقنا الإستغراب كيف تتم إدارة هذا البلد مع كل هذا الهذيان الفكري والسياسي الذي لا يوصل إلا إلى الهلاك..
وفي العودة إلى موضوع المحكمة، نشير إلى أن لدى جميع اللبنانيين رغبة عارمة لمعرفة الحقيقة في قضية التفجير الذي أودى بحياة الرئيس الشهيد رفيق الحريري والقضايا الأمنية الأخرى مع التأكيد على إنزال أشد العقوبات بالفاعلين والمحرضين. وقد عبّرت عن هذه الرغبة كل الفئات الشعبية والمراجع الدينية والسياسية، ومن أجل ذلك تضافرت الأفكار والجهود لإنشاء محكمة دولية ذات طابع دولي ليقين جميع الأفرقاء بعدم قدرة القضاء اللبناني على متابعة قضية متشعبة كهذه قد تتناول جهاتٍ من خارج الحدود اللبنانية. إلا أن النوايا في مثل هذا الأمر لا تكفي، بل يلزم المحكمة تشريع خاص تشترك فيه السلطات الدستورية اللبنانية من تشريعية وتنفيذية وقضائية. وهنا أوصدت جميع الأبواب.. رئيس الجمهورية يعلن "عدم دستورية وميثاقية" الحكومة ويعتبر أن كل ما يصدر عنها هو بحكم الباطل. رئيس المجلس النيابي يصرف النظر عن دعوة المجلس إلى الانعقاد ويتابع استقبالات زواره في "عين التينة" ويعلن تكراراً عدم التعامل مع حكومة "مبتورة وغير شرعية". السراي الحكومي محاصر بالمعتصمين والحكومة تتابع تصريف الأعمال كالمعتاد وتمثل لبنان في عدد من المؤتمرات الدولية وتعمل جاهدةً على استصدار تشريع خاص بالمحكمة الدولية يتوافق عليه اللبنانيون. إلا أن الجهود، حتى تاريخه، باءت بالفشل ويتجه مجلس الأمن اليوم لاصدار قانون المحكمة الدولية المتعلقة بلبنان بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. سمعنا تكراراً أنه إذا تعذر التوافق اللبناني حول المحكمة الدولية سيضطر مجلس الأمن اللجوء إلى الفصل السابع المذكور. فماذا في الفصل السابع والسادس وبقية الفصول وما هي المحاذير التي يتخوف منها اللبنانيون..؟ قد يعرفها البعض الذي تسنى له الإطلاع على مضامين النصوص القانونية ومفاعيلها ولكنها تغيب بدون شك عن أذهان الكثيرين من المتحدثين والمحللين سواءً من المهللين أو الرافضين للمحكمة. وجل ما يهمنا قوله في هذا المجال أن الرافضين والمهللين يتجهون في اصطفاف سياسي أو طائفي بقبولهم أو رفضهم وليس بما يمليه عليهم الفهم القانوني أو المفاعيل القانونية للمحكمة. ولن نذهب بعيداً في هذا الإتجاه لافتقاره إلى النهج العلمي والموضوعي.
وإنشاء المحكمة الدولية، سواء بالتوافق أو بموجب الفصل السابع، يحذر منه البعض بنهج علمي، ومنهم الدكتور داوود خيرالله، أستاذ القانون الدولي في جامعة جورج تاون (واشنطن)، الذي يرى بقيام مثل هذه المحكمة، انتقاصاً للسيادة الوطنية وتهديداً للعدالة والسلم الأهلي. ويشرح د. خير الله العلاقة التي ستنشأ بين مجلس الأمن والدولة اللبنانية فيقول "أن المحكمة تتمتع بصيغة فريدة تعطيها نوعاً من الحقوق الاستنسابية غير المألوفة في القانون الجزائي حيث لا سلطة مراقبة فوق سلطتها وهذا ما يتنافى مع السيادة اللبنانية. ومن المعروف أن السيادة هي الإستئثار بالحكم الذاتي وتقضي بأن تفصل الدولة اللبنانية، عن طريق القضاء اللبناني، بالجرائم التي تقع على أراضيها عملاً بقوانينها الوطنية. أما وجود سلطة قضائية أجنبية تحل محل السلطة الوطنية، فهو مخالف للدستور وتخلٍ فاضح عن أهم حق من حقوق الدولة السيدة الحرة والمستقلة". ويضيف د. خير الله "أن ليس في النص ما يعطي الهيئات الدولية حق النظر في جرائم الإرهاب، وبالتالي ليس هناك من تعريف لجريمة الإرهاب كما أنه ليس من سابقة لمحكمة أنشئت للبت بهكذا جريمة". ففي سماعك للدكتور خير الله، وقد أشرنا إلى حديثه بإيجاز، لا يسعك إلا وإن توافقه على ما جاء في مداخلته القانونية القيمة وقد استمعنا إليه في ندوة استغرقت أكثر من ساعتين. غير أننا ننظر إلى الأمر من جانب مختلف تماماً: أولا: القول بأن ليس في نص ميثاق الأمم المتحدة ما يعرِّف بجريمة الإرهاب أو ما يعطي الهيئات الدولية النظر في مثل هذه الجرائم، هو قول صحيح. ولكن مثل جرائم التفجير والاغتيالات السياسية التي وقعت في لبنان، مع ما رافقها من فلتان أمني، يعتبرها مجلس الأمن من الأعمال التي تهدد السلم والأمن الدوليين من غير أن تسمى لفظياً بالأعمال الإرهابية، وبالتالي فهي من اختصاصه وقد أشار إليها ميثاق الأمم المتحدة بوضوح. ثانياً: لم تعدة معالجة الوضع اللبناني بالتراضي الوطني أمراً سهل المنال والتحقيق وقد تفاقمت الأزمة السياسية إلى حد يصعب معه التوافق على أي من الاستحقاقات المتتالية. كما أنه لم يعد من الجائز أو الممكن طرح حلول بديلة عن المحكمة إلا في عودة الجميع إلى الحوار والتوافق على شكل المحكمة قبل أن يسبق السيف العزل، خاصة وأن لبنان قد حسم خياره على طاولة الحوار الوطني بالاستعانة بمحكمة ذات طابع دولي. ثالثاً: أما التخوف أن تهدد المحكمة الدولية العدالة والسلم الأهلي في لبنان، فهذا أمر حاصل من غير المحكمة وتتولاه، مع الأسف، قوى محلية وإقليمية متنازعة على الأرض اللبنانية ويدفع ثمنها شعب لبنان. ونرى أنه من الأجدى الدعوة إلى لقاء مصارحة وطنية يؤسس لتوافق على قواعد ثابتة يرضى به الجميع بحيث تحصن الجبهة الداخلية لتكون سداً منيعاً بوجه "تهديدات المحكمة"، إن وردت، وسائر التحديات التي يتعرض لها المواطن في لبنان ..
ونشير هنا إلى أن مجلس الأمن الدولي كان قد استمع بالأمس إلى تقرير نيكولا ميشال، المستشار القانوني للأمم المتحدة، حول زيارته إلى بيروت ومحادثاته مع الأفرقاء اللبنانيين حول المحكمة حيث أفضى بفشله في تجاوز المأزق السياسي اللبناني. وفيما يعيد لبنان النظر في خياراته، يبقى الحال على حاله والمحكمة الدولية تتأرجح بين التحذير الرافض لها والتهليل المرحب بها ..!!
|