المؤتمر القومي العربي.. إمساك بأبعاد التجديد

                                                                           

                                                                          رجاء الناصر

عضو المؤتمر القومي العربي – سورية

 

مع كل دورة انعقاد للمؤتمر القومي العربي تثار حملة من التهجمات واللغط على التيار القومي العربي وعلى الفكرة القومية وعلى المؤتمر ذاته.. وهي حملة تثبت على عكس ما يطرحه خصوم القومية العربية مخاوف جدية للخصوم من استعادة التيار القومي العربي لحضوره ولدوره على ساحة الفعل، وخصوصا أن هذا التيار بدأ يتخلص من كثير مما علق به من ممارسات خاطئة وعاد للامساك بقضايا أساسية تشكل بحدّ ذاتها استجابة لاحتياجات الواقع ومتطلباته، وجاء هذا الإمساك عبر ثلاثة محاور.

أولها عملي: من خلال ممارسته لفعل المقاومة وتحديدا على الساحة العراقية، وهو بفعله المقاوم تطهر من كثير مما علق به خلال ممارسات السلطة، ولعل هذا يمكن لمسه عبر:

1-   إن هذا التيار قد عاد ليتبنى مفاهيم جديدة عن الوحدة الوطنية التي تشمل جميع تيارات الأمة ويطرح برنامجا وطنيا ديمقراطيا يتعدى مرحلة المقاومة ويقطع مع التنازل عن الحقوق الوطنية من جهة ومع العودة إلى النظم الشمولية من جهة أخرى.

2-   أن هذا التيار يشكل عامل توحيد للعراق وللأمة في ظل استقطابات سياسية واثنية ومذهبي، وهو توحيد باتجاهين يشمل التيار القومي بفصائله المتعددة، ووطني يشمل كل التيارات والقوى المناهضة للاحتلال.

3-   أن هذا التيار يركز في فعله المقاوم على قوات الاحتلال والعملاء المتعاونين معه، ويبتعد عن الصراعات الجانبية رغم كل المحاولات التي تعمل على قطع الطريق عليه من خلال التركيز على الصراع معه.

الثاني سياسي: من خلال توسيع اطر دعم المقاومة بكل تياراتها وفصائلها واعتبارها بعيدا عن الراية التي تقف تحتها فعلا قوميا بامتياز، وتجلت صورة ذلك في المؤتمر القومي العربي الذي ضمّ إلى صفوفه رموز المقاومة وممثليها على امتداد ساحات المواجهة وخصوصا في فلسطين ولبنان والعراق، حيث نظر إلى كل من قوى المناهضة للاحتلال بما فيها قوى إسلامية أو يسارية باعتبارها جزءا من فعل قومي تحرري فكان من الطبيعي أن يكون من بين أعضائه الشيخ حارث الضاري رئيس هيئة العلماء المسلمين في العراق، وموسى أبو مرزوق، نائب رئيس المكتب السياسي لحماس، والشيخ حسن عبد الله                   رئيس تجمع العلماء المسلمين في لبنان، والمطران عطا الله حنا مطران مدينة القدس، وممثلو منظمات الجهاد الاسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (اليسارية).

الثالث ثقافي: من خلال تبنيه استنهاض المشروع الحضاري العربي بمكوناته الستة [الديمقراطية، والوحدة العربية، والتنمية المستقلة، والعدالة الاجتماعية، والاستقلال الثقافي، والتجدد الحضاري] وهو مشروع تجددي تنويري أخرج المؤتمر والتيار القومي بشكل عام من دائرة  الفعل السياسي الراهن إلى رحاب البناء المستقبلي، وهذا التبني لم يكن نتيجة جهد لبعض أعضائه فحسب وإنما كان نتاج حوار موسع شمل معظم أوقات المؤتمر وأشغاله وسجلت في تلك المناقشات مساهمات غنية تربط الواقع المعاش بالمستقبل المرتجى.

وبدلا من مناقشة ما طرحه المؤتمر من أفكار ومن مواقف انشغل خصومه في رصد بعض التباينات والخلافات حول شجار وقع هنا بين بعض أعضاء المؤتمر، أو حول تصريح لذلك العضو أو ذاك، متجاهلين أن تلك الخلافات أظهرت على العكس مما جاء في تصويرها، وحدة التيار القومي ومبدئيته فعلى سبيل المثال أن ما أثير من خلاف مذهبي حول عرض احد الأفلام اظهر إجماع المؤتمر على رفض الانجرار إلى متاهات الصراعات المذهبية وتركيزه على العامل القومي الجامع وهذا ما تم لمسه ليس في البيان الختامي فحسب وإنما في معظم المناقشات التي سادت المؤتمر ولجانه ومعظم تصريحات أعضائه الإعلامية.

لقد شكل استمرار انعقاد المؤتمر وتنامي حجم العضوية فيه وارتفاع نسبة المشاركين في فعالياته التي تجاوزت 400 عضو في هذا المؤتمر قدموا من أقصى الوطن العربي ومن جميع ساحاته واستعداد أعضاءه لتحمل أعباء السفر وتكاليفه دون أي دعم خارجي ، أن التيار القومي العربي لا يزال يحمل الكثير من الرغبة وإرادة الاستمرار والاستنهاض، إلا أن هذا لا يعني وجوب الركون إلى قبول واقع المؤتمر الراهن الذي حمل بعض أمراض الواقع العربي وفي مقدمتها الازدواجية بين الفكر والممارسة، حيث أن ما يصدر عنه من مواقف لا تنسجم بالضرورة مع سلوكيات بعض أعضائه وهو ما يتطلب نوعا من أنواع التصفية المستمرة إلى جانب الدقة في الرصد عند اختيار الأعضاء الجدد، يضاف إلى ذلك أهمية تفعيل دور أعضاء المؤتمر خارج الاجتماع السنوي والتركيز على دور أعضاء المؤتمر في ساحاتهم القطرية، حيث لا معنى للحديث عن مرجعية شعبية قومية في ظل غياب عن ساحات العمل اليومي القطرية.