تقارير نيروزية (7)

عادل العابر- الأحواز

كنت قد كتبت في العام الماضي ستة حلقات من تقارير سميتها (تقارير نيروزية)، ونيروز هذا هو عيد رأس السنة الشمسية ويسميه الإيرانيون (العيد القومي) ويحتفلون فيه احتفالاً يجتاح كل بلادهم والبلاد التي احتلوها كقطرنا (الأحواز).

ونحاول نحن العرب أن نستغل عطلة هذا العيد الذي لا يمد لنا بصلة، فنسافر إن كنا موظفين ولا نجد فرصة للسفر طوال السنة، أو نستريح في منازلنا وقد نخرج للحدائق بعض الأحيان وذلك إستجابة لطلب أطفالنا، أو نستمر بعملنا إن كنا صاحبي محلات تجارية  أو لدينا عمل غير حكومي ولا نعطل يوماً واحداً، لأن العيد لا يعنينا ونعتبره انتهاءاً لفصل الشتاء وابتداءاً لفصل الربيع لا اكثر.

وأما أنا فأسافر وأسرتي لنزور بعض الأقارب في المحمرة أو في عبادان أو في الفلاحية أو في بعض القرى.

 

وقبل أن نبدأ جولتنا تفاجئنا بوفاة السياسي والصحفي الأحوازي محمد شريف الناصري الذي توفي في المهجر فتألمنا كثيراً لأن وفاته خسارة للساحة السياسية الأحوازية لا تعوض.

أعدم النظام الإيراني شريف الناصري والد محمد عام 1979 بتهمة محاربة النظام الإيراني والصحيح أنه كان سياسياً يطالب الحكومة الإيرانية بحقوق العرب بعد انتصارها على الشاه محمد رضا بهلوي.

واصبح محمد يتيماً وهو طفل لا يبلغ العشرة اعوام. درس في الأحواز ثم تابع دراسته العليا في طهران وعمل هناك في السفارة السعودية، ألا أن النظام الإيراني اعتقله وسجنه لفترة ثم أفرج عنه.

ولكن لم يستطع محمد شريف أن يبقى ساكتاً وهو يرى الظلم والاستبداد الإيراني ضد شعبه الأحوازي فهاجر إلى هولندا ليخدم القضية الأحوازية من هناك وتوفي في المهجر فإنا لله وإنا إليه راجعون.

 

بدأت جولتي وأسرتي  من قرى الأحواز وتسمى الغيزانية، العوده، ال?مبه، البوبالد، الرمله، بيت دهداي والحياوية، ورحنا بعيداً إلى قرية الحائط وبيت سيد محمد.

والعجيب أن معظم هذه القرى لا توجد فيها أنابيب ماء وينقل أهلها الماء بالصهاريج وبواسطة آلات الجر كالساحبات من أماكن نائية إلى قراهم، صهاريج بمختلف الأحجام، الف ليتر والفا ليتر فصاعداً.

 

لفتت انتباهي أنابيب قطورة ممتدة تمر من كل القرى وتنقل نفط هولاء العرب إلى ديار العجم، فينعمون بثرواتنا وشعبنا يسخن الماء بـ(قدر) مستعملاً الحطب لكي يستحم! فلا سخان كهربائي ولا غازي وكم حرق الماء الفائر جلود الأطفال وبقى أثره مدى الحياة يرافقهم. وبالفعل رأيت أثراً على جلد طفلة سألت أمها: كيف احترقت ابنتك؟ قالت بلغتها الشعبية: (خويه ما كسرت على الصفرية ماي بارد).

 

سألت شيخاً طاعناً في السن عن سبب سكوتهم ولماذا لا يقدمون شكوى إلى المسؤلين والمعنيين في مصلحة المياه ومراكز الصحة فقال:

لم يعطونا الماء كي نترك قرانا ونهجر منها، هددتنا الحكومة لنرحل من ديارنا معتبرة أيانا نزلاء على هذه الأرض فقالوا لنا: أنتم تقطنون أرضاً ممنوعة لأن السكن بالقرب من أنابيب النفط ممنوع! وأنتم نزلتم بالقرب من هذه الأنابيب وقد تلحقون الأضرار بها وعندها يتعطل شريان اقتصاد المملكة.

ثم قال الشيخ: أنا ولدت هنا ولم تكن الأنابيب موجودة حينها, ومرت اعوام كثر حتى مدتها الحكومة في عهد الشاه محمد رضا البهلوي وكنا آنذاك في قرانا، أي نحن أقدم من الأنابيب في هذه الأرض.

 

فلتعلم الأحزاب التي تمولها إيران بنفط الأحوازيين، الأحزاب التي تعتبر دعم إيران مشروعاً وحلالاً عليها، إعلموا يا أعزائي إن الدعم الذي تقدمه إيران لكم –وتهدف من ورائه مصالح سياسية ذاتية-  يسرق في الظهر الأحمر من أناس مساكين يجب عليهم أن يتركوا قراهم ويشيلوا من طرق السارقين! وأين يسكنوا بعدها فهذا أمر لا يعني الحكومة أبداً. 

 

وأما تحليلي من هذه المضايقات لشعبنا الذي يعيش في القرى هو كالتالي:

سعت الحكومات الإيرانية من سنة 1925 وإلى يومنا هذا أن تذوب العرب بين الفرس حتى يصبحوا إيرانيين بمعنى الكلمة! أي يتكلمون بالفارسية، يحتفلون بعيد النيروز، يقدسون ولاية الفقيه، يتابعون المسلسلات الإيرانية، يشتركون في الإنتخابات، يقررون البقاء مع إيران إن أجبرت إيران أن تخضع لتقرير المصير في الأحواز وذلك تحت رعاية مجلس الأمن والجامعة العربية.

ولا يحصل هذا التذويب إلا بخلط الفرس مع العرب، ولا يمكن للحكومة أن تسكن الفرس المهاجرين بين القرويين، لأن القرويين سيرفضونهم رفضاً تاماً ولذا وجب على الحكومة ولكي تحقق غايتها اللئيمة والعنصرية أن تشيل العرب من قراهم، وليسكنوا في مكان ما يمكن دس الفرس بينهم.

ثم أن الحكومة لم تستطع ومنذ اكثرمن ثمانين عاماً أن تغير أسماء القرى العربية إلى الفارسية كما غيرتها في البلد، فكلما اطلقت على قرية اسماً فارسياً تمسك القرويون بأسم قريتهم العربي ونسوا الفارسي وتفشل خطة الحكومة ويبقى الاسم عربياً رغم انفها.

 

ختاماً سميت هذه السنة الإيرانية وهي سنة الف وثلاث مئة وستة وثمانون الهجرية الشمسية بـ(الإنسجام الشعبي)، لتتحدى إيران العالم الذي عارض برنامجها النووي، بإنسجام واتحاد شعبها.

 وأقول لساسة إيران:

أي إنسجام وأنتم تظلمون شعب الأحواز وتحرمونه من أبسط حقوقه الطبيعية كماء الشرب! كيف ينسجم شعب كهذا الشعب معكم وأبنائه في سجونكم يُعذبون أو يُعدمون؟!

ما هكذا تورد الإبل يا سعد! بل ما هكذا تورد الإبل يا أبناء كسرى!

وإعلموا يا قادة الإسلام كما تصفون أنفسكم، أن الشعب الأحوازي لم ولن ينسجم معكم، وما قاله شباب القرى التي زرتها يؤيد ما أقول، فكلهم يعتبرون حكومتكم حكومة احتلال يتمنون أن يتخلصوا منها، اليوم قبل غد.

 

25/03/2007