الحرية ومحاكم التفتيش الجديدة
أما إذا أردنا بالفعل التعمق في المغزى الأساسي لها فلن يكفينا مجلدات .. وقد ينتهي العمر دون أن نجد مصطلح يفي بهذه القيمة والمنحة الإلهية التي خص الله بها الإنسان عن سائر مخلوقاته .. لكن في نهاية المطاف .. ستكون الحرية هي ذاتها المؤدية إلى نقيض معناها وهي العبودية .. فكلنا إن لم نكن عبيد لله فلا قيمة لحريته ...
في إحدى روايات الكاتب الروسي – دستيفسكي – بطل من أبطال الرواية يتخيل أن السيد المسيح عاد إلى الأرض في طوفة عابرة ونزل بأشبيلية في أبان سطوة ا(( التفتيش)) فوعظ الناس وصنع المعجزات وأقبل عليه الضعاف والمرضى والمحزنون يلثمون قدميه ويسألونه العون والرحمة ...
وأنه ليمضي بين الشعب يضفي عليهم حبه وحنانه ويبسطون له شكواهم ومخاوفهم .. إذ برئيس ديوان التفتيش – المفتش الأعظم- يعبر بالمكان ويتأمل السيد والشعب من حوله هنيهة ثم يشير إلى الحراس ويأمرهم أن يعتقلوه ويدعوه حجرة السجناء في انتظار التحقيق.
ويأتي المساء فيذهب المفتش الأعظم إلى الحجرة ويقول للرسول الكريم: إنني أعرفك ولا أجهلك ، ولهذا حبستك، لماذا جئت إلى هنا ؟ لماذا تعوقنا وتلقي العثرات والعقبات في سبيلنا؟
ثم يقول له فيما يقول: انك كلفت الناس ما ليست لهم به طاقة... كلفتهم حرية الضمير ، أكلفتهم مؤنة التمييز، كلفتهم أن يعرفوا الخير والشر لأنفسهم، كلفتهم أوعر المسالك فلم يطيقوا ما كلفتهم وشقيت مساعيهم بما طلبت منهم .. والآن وقد عرفنا نحن دائهم وأعفيناهم من ذلك التكليف ، وأعدناهم إلى الشرائع والشعائر ، تعود إلينا لتأخذ علينا سبيلنا وتحدثهم من جديد بحديث الاختيار وحرية الضمير؟
ليس أثقل على الإنسان من حمل الحرية ، وليس اسعد منه حين يخف عنه حملها وينقاد طائعا لمن يسلبه الحرية ويوهمه في نفس الوقت أنه قد أطلقها له وفوض إليه الأمر في اعتقاده وعمله، فلماذا تسوم الإنسان من جديد أن يفتح عينيه وأن يتطلع إلى المعرفة وأن يختار لنفسه ما يشاء، وهو لا يعلم ما يشاء .
انك منحتنا السلطان قديما وليس لك أن تسترده، وليس في عزمنا أن ننزل عنه ،فدع هذا الإنسان لنا وأرجع إلى حيث أتيت ، وإلا أسلمناك لهذا الإنسان غدا وسلطناه عليك وحاسبناك بآياتك وأخذناك بمعجزاتك، ولترين غدا هذا الشعب الذي لثم قدميك اليوم مقبلا علينا مبتهلا لنا أن نخلصه منك وأن ندينك كما ندين الضحايا من المعذبين والمحرقين .. ومن هذه المقطوعة التي كتبت لتعريفنا أن الحرية التي يريدها الإنسان لنفسه غير التي خولت له .. أن تكون حرا فعليك أن تحمل أوزارك وأن تحمل أمانتك في عنقك ولا ترمي اتهاماتك جزافا كي تبرر فشلك .. هي أن تحمل أمانتك وتعمل بشكل فردي أو جماعي كي تتفاعل مع المجتمع وأن تفيد مجتمعك لتفيد نفسك فهما لا ينفصلان .. أما أن تفعل ما تريد ولا يأتي بثمره لا لك ولا لغيرك .. ولمجرد أنك تتكلم .. فهذه ليست الحرية .. فالحرية التي لا تقيد الآخرين هي حرية أي أنها (لا ضرر ولا ضرار ) وأن تتحمل عقبات اختيارك فلا تلوم سوى نفسك .. هل تقدر على هذا ؟ أم أنك كما قال المفتش في هذه الرواية ((، فلماذا تسوم الإنسان من جديد أن يفتح عينيه وأن يتطلع إلى المعرفة وأن يختار لنفسه ما يشاء، وهو لا يعلم ما يشاء)) فبهذه القريحة قد تبحث لك عن (( مفتش)) يبحث لك عن معاني جديدة للحرية .. كما تفعل أمريكا الآن .. فتحت شعار الحرية .. تعيد لنا محاكم التفتيش لتسلب حرية القادة لتستعبد الشعوب ... وتحت اسم تحرير الشعب وانتشار الحرية .. والسلام بالدبابات والقنابل الذكية .. وتحرم الأسلحة النووية وامتلاكها وتصنعها هي .. الحرية الحقيقية هي أن تدع لعقيدتك الفرصة في التحرر من همزات الشياطين من الإنس والجن وأن تتحرر من شهواتك الشخصية التي تستعبدك دون أن تدري .. فالحرية في نظري هي أن تستطيع أن تجنب غرائزك جانبا وتنظر إلى صورتك من مكان آخر وتحكم على نفسك ... فما ترضاه لنفسك أفعله للآخر وما لا ترضاه على نفسك فلا تفعله مع الآخر كي يكون هناك مصداقية ومساواة وحرية ... فالحرية لا تأتي غصباً .. ولا تأتي بالحروب .. الحرية تأتي من اقتناع الشخص أنه ليس حرا ... لأنه لا يعيش منفردا .. بل أن هناك أشخاص أخرى يجب أن يكون لهم حريتهم هم الأخريين ... فحدود حريتنا داخل الهيكل الآدمي .. أما ما يخرج من هذا الهيكل من أقوال أو أفعال وتتعامل مع شخص آخر .. فيجب أن تكون هناك نظريات أخرى للحرية .. أنت حر ما دمت لا تضر ...فلا توجد حرية مطلقه على وجه البسيطة .. بل أنها تندرج تحت مسمى آخر .. وهو التعامل (( والدين المعاملة)) ولهذا بعث الله الرسل .. ليعرف الإنسان أن الحرية في اختيارك العقيدة .. وأن هناك رب لهذه الدنيا وضع أساس للتقرب إليه والطريق إلى رضاه( تعاليم الدين ووصايا الرسل ) .. ولك حرية الاختيار في أن تؤمن فيرضى أو تكفر فتخرج من رحمته ... إذا الحرية مقيدة بكل أحوالها ... فهل أنت على قدر كاف لأن تتحمل هذه المهمة الصعبة ... هل وقفت مع نفسك وعلمت لماذا أنت حر ؟ ... وهل ستسلم نفسك لنفسك .؟ أم ستبحث عن( مفتش ) ليفعل ما يمكن أن يفعله وحسب رؤيته للحرية الجديدة.
والحوار يظل مفتوحا ... وللحديث بقية
حسين راشد – نائب رئيس حزب مصر الفتاة
وأمين لجنة الإعلام