مشاركة أحوازيّة في المحافل الدوليّة

 

شارك الأحوازيّون في ملتقى أوروبي – متوسطي حول "دور النساء الشابات" نظمته منظمة "التالير" الدوليّة التي تتخذ من تونس مقرّاً لأمانتها العامّة. وجاءت المشاركة الأحوازيّة على اثر دعوة موقعة من قبل الأمينة العامّة للمنظمة السيدة "كورين كومار"، وجهتها إلى "المركز الأحوازي لحقوق الإنسان".

 

وكانتا الأختان الأحوازيّتان: السيدة "فردوس محمود" بصفتها مسئولة في المركز الأحوازي لحقوق الإنسان، والسيدة "ندى أحمد" ممثلة لجنة حقوق المرأة الأحوازيّة، قد شاركتا في أعمال الملتقى من 21-26/07/2005، وحضرت الملتقى عدّة وفود من تونس والمغرب والجزائر وفلسطين ولبنان وسوريا وألمانيا وبريطانيا وايطاليا واسبانيا (إقليم كتلونيا)، ويهدف الملتقى الدولي هذا أساساً إلى عدد من القضايا التي تهم المرأة وذلك على كافة المستويات: سياسياً واقتصادياً وثقافياً واجتماعياً.

 

وعلى امتداد الأيام السبعة من أعمال الملتقى سجّل الوفد الأحوازي المشارك، العديد من المداخلات حول القضايا المذكورة، كما خصّص اليوم الرابع "للقضيّة الأحوازيّة"، فقد سجلتا الأختان الأحوازيتان مشاركتهما الغنيّة بالمعلومات حول ما يتعرّض له المجتمع الأحوازي بشكل عام، وما تتعرّض له المرأة الأحوازيّة من معاناة بشكل خاص، وذلك بسبب الاحتلال الإيراني للأحواز منذ أكثر من ثمانين عاماً.

 

وبعد أن تمّ تقسيم الأدوار بين المشاركتان، وضمن كلمة مشتركة أدلى بها الوفد الأحوازي، طرحت العديد من القضايا ذات الصلة بالمجتمع الأحوازي أمام الحاضرين القادمين من البلدان الواردة أسماءها أعلاه، وعدد من ممثلي منظمات وجمعيات أهليّة ودوليّة، إضافة إلى عدد من شخصيّات ثقافيّة واجتماعيّة مدعوّة للحضور في أعمال الملتقى، وتضمّنت المشاركة الأحوازيّة جملة من النقاط الهامّة والمتعلقة بواقع حال الشعب العربي الأحوازي، نذكر منها المواضيع التالية:

 

1- إعطاء صورة واضحة ومفصّلة حول إقليم الأحواز تاريخياً وجيوستراجياً واجتماعياً واقتصادياً، وقد تمّ تدعيمها بالصور والخرائط والأرقام والإحصائيّات الرسميّة الصادرة من جهات رسميّة أحوازيّة وأطراف دوليّة لها مصداقيتها بما في ذلك تقارير الأمم المتحدة.

 

2- تقديم لمحة موجزة حول العوامل التاريخيّة والظروف السياسيّة التي أدّت إلى احتلال الأحواز من قبل الدولة الإيرانيّة عام 1925، وكذلك ظروف نشأة "القضيّة الأحوازيّة".

 

3- أهم المراحل التي مرّ بها المجتمع العربي الأحوازي بعد عام 1925، وما تضمّنته من مطالب أحوازيّة قانونيّة، وتصرّفات الأنظمة الإيرانيّة تجاه هذه المطالب، تميّزت بالقسوة المفرطة والقمع الشديد والمجازر والإعدامات ولاعتقالات الواسعة النطاق في صفوف الأحوازيين، وقد أرفق ذلك بالعديد من الصور من الإعدامات الفرديّة والجماعيّة قامت بها الأنظمة المتعاقبة على دفة الحكم في إيران منذ عام 1925 حتى الآن، إضافة إلى الصور الدالّة على الحالات المأساويّة التي يمرّ بها المجتمع الأحوازي، وذلك بالرغم من أنّ الإقليم يعوم على بحيرة من الثروات الطبيعيّة كالنفط والغاز الهائل والمياه العذبة والعديد من المعادن والأراضي الخصبة.

 

4- التجاوزات الماديّة على الحقوق الأحوازيّة من قبل الدولة الإيرانيّة، مثل اقتطاع أجزاء كبيرة من الأراضي الأحوازيّة وضمّها إلى المحافظات الإيرانية المجاورة، سلب الثروات الأحوازية والعودة بفوائدها إلى الفرس، تلويث البيئة في الإقليم وتسميم مياه الشرب وجرّ مياه الأنهر إلى المدن الإيرانيّة، تشتيت المجتمع الأحوازي وترحيل أعداد كبيرة منه قسراً إلى المناطق الفارسيّة بهدف تفريسهم وإحلال أعداد كبيرة من المستوطنين الفرس محلهم بغية تفريس ما تبقى منهم، إضافة إلى السياسات الإيرانية الرامية إلى تغيير العامل الديموغرافي في الإقليم، وقتل واعتقال وقمع كل من يرفض مثل هذه الممارسات من أبناء الشعب الأحوازي.

 

5- التجاوزات المعنويّة التي تهدف إلى محاربة الهويّة والثقافة العربيّتان في الأحواز وطمس معالمها، مثل منع التدريس باللغة العربية في الإقليم ومنع الحديث بها وفرض اللغة الفارسيّة كلغة رسميّة في سائر أنحاء الأحواز، منع الترجمة من اللغة العربية إلى الفارسية وبالعكس في المحاكم في الإقليم بهدف عدم حل مشاكل السكان العرب، تغيير أسماء المدن والقرى والمناطق والمواقع في إقليم الأحواز من العربية واستبدالها بأسماء فارسيّة مزيّفة، منع تسمية المواليد الجدد في الأحواز بأسماء عربية وإجبار الأهالي على اختيار أحد الأسماء الفارسيّة المدرجة ضمن قائمة أسماء فارسيّة تقدّمها مراكز الأحوال الشخصيّة، السياسات الإيرانية العنصريّة التي تميز بين العرب والفرس من خلال إعطاء الأولويات للفرس في سائر مرافق العمل والخدمة والإنتاج ومعاملة الأحوازيين على أنهم مواطنين من الدرجة الثانية والثالثة وحتى العاشرة ومناصبتهم الكراهية والعداء من قبل الدولة الإيرانية واختزال كافة السلطات في القوميّة الفارسيّة على حساب القوميّة العربيّة في إقليم الأحواز، الأمر الذي أكد للأحوازيين بضرورة المطالبة بحقهم في تقرير المصير والسيادة والاستقلال في القرارات ذات الصلة بشؤون إقليمهم المحتل.

 

6- ارتفاع نسب الأميّة بين كافة شرائح المجتمع الأحوازي إناث وذكور، وخاصة المجتمع الأنثوي الأحوازي الذي ترتفع نسب الأميّة في أوساطه لتصل إلى 90% فيما يخص النساء العربيات اللواتي تتراوح أعمارهن بين 45 – 70 سنة، وتصل النسبة ذاتها بين سائر الشرائح النسائيّة من 60 إلى 70%، ويدلّ ارتفاع هذه النسب حتماً على النقص الشديد والإهمال الإيراني المتعمّد في تأسيس المدارس والجامعات والمكتبات العموميّة في إقليم الأحواز.

 

7- تعمّد الدولة الإيرانيّة على ترويج المخدّرات في أوساط الشباب العربي الأحوازي بغية الفتك به وإهدار طاقاته، إذ انه من المعروف أنّ المخدّرات المنسابة تجاه الإقليم وبكميّات هائلة، تأتي من المناطق الإيرانيّة وتنساب في الأحواز وذلك أمام مرأى ومسمع السلطات الإيرانيّة، دون إن تتخذ الأخيرة أي إجراء لإيقافها أو الحدّ من انتشارها، علماً أن الإقليم يعاني من نقص شديد في المرافق الصحيّة، إذ أن المستشفيات والمستوصفات تعدّ قليلة جداً ولا تلبّي حاجة السكان العرب البالغ عددهم خمسة ملايين نسمة.

 

8- التعتيم الإعلامي الإيراني الشديد على الواقع المأساوي الذي يعيشه المجتمع العربي الأحوازي، وذلك من خلال عزله عن العالم الخارجي وعدم السماح للبعثات الدوليّة بزيارة المنطقة، ومنع وصول وسائل الإعلام العربي والعالمي على حدّ سواء للأحواز، كما تمنع السلطات الإيرانيّة امتلاك الأحوازيين الأطباق اللاقطة (الساتليت)، إضافة إلى مراقبة خطوط الهاتف والانترنت التي يعدّ مجالها ضيّقاً جداً في الأحواز حتى الآن.

 

ولم يخفي المشاركين صدمتهم ومفاجئتهم واستغرابهم لما سمعوه وشاهدوه من صور لأول مرّة حول واقع حال أكثر من خمسة ملايين عربي أحوازي وما يتعرضون له من مأساة ومعاناة حقيقية على يد السلطات الإيرانية، وفور انتهاء كلمة الوفد الأحوازي، انهال الحاضرون بالأسئلة والاستفسار حول العديد من المواضيع ذات الصلة بالمجتمع الأحوازي والممارسات الإيرانية تجاهه، وقد أجابتا الأختان الأحوازيتان على كافة الأسئلة والمداخلات بمنتهى الوضوح والشرح والتفسير والتفصيل، ليتلقيا بعدها تهنئة جماعية من قبل المشاركين لما أبديتا من شجاعة وحزم في التعريف بقضيتهما الأحوازية العادلة.

 

وحين طلب من الوفد الأحوازي تسليط الضوء على العولمة وآثارها على إقليم وشعب الأحواز، بين الوفد بان ما يتعرض له المجتمع الأحوازي اليوم من تردّي في الأوضاع المعيشيّة اليوميّة هو أشد فتكاً من العواقب الوخيمة التي ألقت أو ستلقي بها العولمة على شعوب العالم، فإذا كانت العولمة تستهدف ثقافات الشعوب وهويتها منذ ظهورها بعد انهيار جدار برلين وانهيار المعسكر الاشتراكي معه عام 1989، فان الثقافة والهوية الأحوازيتان مستهدفتان أصلاً من قبل الأنظمة الإيرانية منذ ثمانين عاماً من الزمن، وإذا كانت العولمة تهدف إلى إلغاء الحدود بين الشعوب والدول لتحويل العالم إلى قرية صغيرة، فان إقليم الأحواز يعتبر متقطع الأوصال منذ تاريخ الاحتلال الإيراني له عام 1925، إذ أن الاحتلال الإيراني جعل من الإقليم محاصراً ومنعزلاً عن العالم الخارجي، كما يفصل الاحتلال المدن والقرى عن بعضها البعض، وفي انتفاضة ابريل من العام الحالي في الأحواز، قامت السلطات الإيرانية بعزل المناطق عن بعضها البعض، وفي الكثير من الحالات نلاحظ إن المنطقة الواحدة منقسمة ومجزاة إلى عدّة مناطق هي الأخرى، لذا فان الآثار السلبية للعولمة قد لحقت بإقليم وشعب الأحواز حتى قبل ظهورها.

 

 وتفاعل الوفد الفلسطيني المشارك مع الوفد الأحوازي، وذلك كون المجتمع الفلسطيني يعيش تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي منذ 55 عاماً، وبالتالي فانه يتعرض لنفس حالات الاضطهاد والحرمان التي يمرّ بها المجتمع الأحوازي، وقد وجد الوفد الكتلوني العديد من نقاط التشابه بين إقليمه الذي يطالب بالحق في تقرير المصير أو الانفصال عن اسبانيا، وبين إقليم الأحواز، كما أبدا أعضاء الوفد الكتلوني تعاطفاً شديداً مع الوفد الأحوازي، علماً أن مجموعة من أحزاب كتلونيا قد توجّهت بدعوة إلى الأحزاب الأحوازية في السبعينات من القرن الماضي، وكان للأحوازيين حضورهم ومشاركتهم النشطة والفاعلة في المؤتمر الذي نظمته الأحزاب الكتلونيّة، فالقوا الأحوازيين بكلمتهم التي تضمنت تعريفاً مفصلاً بالقضية الأحوازية في ذلك العقد.

 

ولان إعداد الندوات والملتقيات الدولية والعمل ألجمعياتي الإقليمي والدولي يُعدّ من أولويّات عمل منظمة التالير الدولية، فان المنظمة قد أعدت في مقرّها برنامجاً تحت عنوان "الجامعة المفتوحة" لمدّة خمسة أيام من 22 إلى 26/07/2005، ليتزامن هذا العمل مع أعمال الملتقى الأوروبي المتوسطي حول دور النساء الشابات، وتتضمن الجامعة المفتوحة عدد من قضايا الساعة مثل مناهضة العولمة والعنصرية وثقافة المقاومة والمقاطعة وجملة من القضايا الاجتماعية ذات الأهميّة بالنسبة لجيل الشباب. وبعد الانتهاء من أعمال الملتقى بعد منتصف النهار، تحضر الوفود المشاركة في برامج الجامعة المفتوحة بمقرّ المنظمة للاستفادة والمشاركة في أعمال الجامعة، وكانت للوفد الأحوازي مشاركاته ومداخلاته اليوميّة في تلك الأعمال.

 

وفي اليوم الأخير من أعمال الملتقى قدم الوفد الأحوازي اقتراحاً لنقل فكرة الجامعة المفتوحة إلى مناطق ودول أخرى في العالم- خاصة في دول الجنوب- وتلقى هذا الاقتراح تأييداً من قبل العديد من المشاركين فضمّوا أصواتهم إلى الصوت الأحوازي، متعهدين بالعمل المشترك والجماعي في المستقبل حول المقترح الأحوازي أو أي عمل أخر من شانه إثراء أهداف المشاركين. كما قام الوفد الأحوازي في اليوم الأخير للملتقى بتقديم كتابان مرفقان بكلمة إهداء باللغتين العربية والانكليزية للأمينة العامة لمنظمة التالير الدولية السيدة "كورين كومار"، ويسلط الكتاب الأول الضوء على مقوّمات وتداعيات وتطلعات القضية الأحوازية، أما الكتاب الثاني فيتناول العوامل التاريخية والجغرافيّة والسياسيّة لإمارة الأحواز العربيّة، وظروف وأسباب نشأة القضيّة الأحوازية، فتلقى الوفد الأحوازي الشكر والتقدير من قبل الأمينة العامة لمشاركته الفاعلة والنشطة في أعمال الملتقى الأوروبي – المتوسطي وأعمال الجامعة المفتوحة.

 

 

 

                                                                    عبّاس عساكرة

                                                                     04/08/2005

                                                         ahwazna@yahoo.com