ايران و العزلة الثانية

ابوشاكر الاحوازي

منذ تاسيس السوق الأروبية المشتركة في عام 75 التي اعتبرت اول كيان اروبي موحد و مشروع موحد مستقبلي لإروبا واحدة بعد الحرب العالمية الثانية.
و استمر هذا الكيان في تخطي كثير من المصاعب التي خلفتها الحرب سيما بين بلدانهم و اعداد البرنامج القريبة و البعيدة المدى. و امتلكت ثقة ليكون اتحادا اروبيا واحدا دخل هذا الكيان الموحد من باب الاقتصاد و التوازن الدبلوماسي و لكن ظروف الحرب الباردة في ظل عالم ذو قطبين جعل من هذا الكيان رقما ضعيفا بالمعادلة الدولية. اولا لوجود اروبا شرقية و اروبا غربية ثانية و وجود قوتين عظمتين امريكا و الاتحاد السوفيتي السابق لذالك ظل هذا الكيان بعيدا عن طموحاته السياسية و لا ينال الا ما تسمح به القوتين الكبريتين انذاك.
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي انهار جدار برلين ,الجدار الذي لم يكن يقسم المانيا فقط بل كان يقسم اوربا جميعا و سارت الامور بسرعه مذهلة و استيقظ العالم على تغييرات سريعة و مفاجئة بانهيار الامبراطورية السوفيتية ,و اصبحت المانيا موحدة و امريكا وحيدة في الساحات الدولية.
هنا اصبح الاوروبيون يفكرون بطريقة اخرى حيث آن الاوان ليكونوا بمستوى حجمهم في هذا العالم سياسيا فاصبحت لاروبا ستراتيجيات جديدة بدأت من اعداد خرائط المصالح الاوروبية اولا و ثانية توسيع الاتحاد الاوربي ليشمل بلدان اوربا الشرقية و ليكون لهم دورا اكبر و اهم في السياسة الدولية.
و النظام العالمي الجديد الذي تحدثت عنه امريكا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي و انتهاء ازمة الكويت و سارت اوربا بعربتين كبيرتين قويتين هما المانيا العملاق الاقتصادي و البشري و فرنسا ذات التاريخ الاستعماري القديم و الحنكة السياسية و المصالح و العلاقات الواسعة مع بلدان العالم الثالث في اسيا و افريقا.
و لم يكن هذا المسير الاوربي خجولا بل كان مسيرا مختالا فخورا لانه كان يستند على اقتصاديات ضخمة جدا و اسواق من مئات الملائين و رغبة في الرجوع الي الساحة الدولية بعد ابتعاد عنها استمر خمسين عاما.
و لم يعجب الامريكان هذا التوجه فكانوا دائما يظعون العصاء في عجله التقدم الاوربي في مجال السياسة الدولية و حل النزاعات في العالم حيث اجبرت امريكا الاوربيون علي ان يكون الحل عسكريا في مسئلة كسوفو. لتحرج الاوربيون و لترسل لهم اشارة بانكم لا تستطيعون ان تمارسوا دورا بمعزل عن امريكا و هذه الصفعة الامريكية للاوربيون جعلهم يفكرون بتحدي اكبر للامريكيين.
بدا الاوربيون بنشاط سياسي في مناطق النفوذ الامريكي سيما في منطقة الشرق الاوسط حيث مخزون الطاقة (البترول) العالمي فكان الاوربيون هم اصحاب المبادرات و اصحاب الدبلوماسيات النشطة و اصحاب المبعوثين الخاصين في مناطق الازمات مثل فلسطين و نزاعها مع الصهاينة و معانات الشعب العراقي تحت الحصار و سوريا و ثوابتها في العملية السلمية و حزب الله و الاسرى الاسرائليين. و هنا التقط الايرانيون الاشارة بذكاء حيث كان الاوربيون يبحثون عن موطئ قدم و لو كان صغيرا جدا ليضربوا به ثلاثة عصافير بحجر واحد. العصفور الاول هو ان يفهم الامريكان بان الاوربيين قادرين علي اقتحام مناطق القدرة. ثانيا ان يكون لهم حصة في هذه المنطقة(الشرق الاوسط)لتدعم اقتصادياتها من خلال المحافظة علي خطوط الامداد بلطاقة لأن الامريكان لا يثق بهم (بنواياهم) ان هم سيطروا علي مناطق النفط. و العصفور الثالث و الاهم هو ايران حيث كان ايران مغضوب عليه امريكيا لكنه في نفس الوقت كان يسير مسير الديموقراطية بمجي خاتمي للسلطة صاحب العقلية اليبرالية. و ان كان يرتدي العمامة فايران هي الوحيدة في منطقة الشرق الاوسط ( حسب المفهوم الاروبي انذاك) التي لم تكن تسير في القطار الامريكي. لذا ارادوا ان يجعلوا منها (حصان طراودة) ليقتحموا مناطق النفوذ الامريكي و سيجعلوا من ايران قاعدتهم الدبلوماسية و محطة الضخ النفطي الرخيصة مقابل دعم ايران سياسيا في الساحات و المحافل الدولية و مساعدتها بالخروج من عزلتها السياسية.
هنا التقت مصالح اوربا و ايران فالإيرانيون وجدوا بالتوجه الاوربي اليهم الغشة التي ربما ستنقذهم من الغرق. فنظام صدام في العراق كان يستجدي العلاقات مع امريكا سيما بعد هزيمتة في حرب الكويت.
و الجيران في الخليج اصبحوا مقيدين بمعاهدات مع امريكا اما تركيا فهي امريكية قلبا و قالبا و افغانستان يحكمها الطالبان الاشد عداوة الى الايرانيين و الجمهوريات المستقلة لم يتركها الروس تمارس استقلالها و ان سمحوا لها بحقوق ثقافية و دينية لكن هذه الحقوق لا تتعدي بناء المساجد بالنسبة للمسلمين و ارتياد (دخول) الكنائس للمسيحين. فالايرانيون كانوا يغرقون شيئا فشيئا في عزلتهم المحيطة بهم لذا نظروا الى اوربا المنقذ الوحيد و قارب النجاة الذي يجب الا يفقدوه ابداَ. فكانت زيارات خاتمي الي اوربا و خطاباتة الليبرالية المتحظرة ما هو الا ارسال اشارة الي الاوربيون باننا نمتلك المواصفات التي ترغبون.
فبدأت الاتفاقيات الثنائية تجارية و صناعية و وصلت العلاقات بين الاتحاد الاوربي و ايران الى مستوى العلاقات الستراتيجية بل وصلت الى حد يضغط الاوربيون على الولايات المتحدة من خلال دور ايران و تأثيره الكبير في معادلة الصراع الاول في الشرق الاوسط و هو الصراع العربي الاسرائيلي.
والموقف الاخيرللاتحاد الاروبي من ايران يمثل منعطف كبيرا في سياسة الاروبين تجاه ايران و تجاه الولايات المتحدة و تجاه طموحاتهم السياسية في المنطقة.
حيث يتضح للمراقب ان هنالك رؤيه اخرى للاروبيون بالمنطقة سيما بعد الاحتلال الامريكي للعراق حيث اصبحت معظم مناطق الطاقة في العالم تحت السيطرة الامريكية(و هذا في رأينا هزيمة لاوربا تعادل هزيمتها في الحرب العالمية الثانية).
اما الولايات المتحدة واملاءآتها على الاوربيين و رافقت ذالك ظروف داخلة في ايران حدثت بتاثير مباشر او غير مباشر من عملية احتلال العراق و الجيش الامريكي القريب جدا من الاراضي الايرانية و نستطيع ان نقول ان الاوربيون تعاملوا هذه المرة بواقعية سياسية اكثر تتناسب مع امكانياتهم و قدراتهم المتواضعة قياسا بالقدرة الامريكية. وان كانوا ان دعموا بشكل خفي و على استحياء التوجهات الامريكية باتجاه ايران في ما يتعلق ببرنامجه النووي لعلهم بشيئا من الكعكة العراقية الهائلة و لكي لا يعرقل الامريكان وصول النفط رخيصا الي اوربا و لكي ايضا يحفظوا ماء اوجههم السياسية امام الرأي العام الاوربي حيث لم يستطيعوا ان يحركوا ساكنا بينما الامريكان ابتلعوا مصالحهم النفطة جدا في العراق امام اعينهم و كذالك قوظوا(ضيقوا) دورهم السياسي الذي بدأ بنيانه منذ مطلع السبعينيات.
و الاوربيون الان و في ظل الوضع الحالي مستعدين بالقيام بدور اكبر حفظاَ لمصالحهم مع الامريكان ولما كان الاوربيون انفسهم و قدرات عسكرية متواضعة و دساتير تدعوا الي السلم و رأى عام قوي جدا فان خيارات الضغط الوحيدة المتوفرة لديهما هي خيار الضغط الاقتصادي و ربما نرى في الغد عقوبات اقتصاديه اوربيه علي ايران على قرار ما حدث في العراق و الاتحاد الاوربي قد باع صداقته مع ايران و معاهدته و اتفاقياته بالنفط و هذه مؤشرات ازمة يعيشها النظام.
و هنا وصلنا الى ما نريد الوصول اليه و هو ان ايران التي قاومت الامواج السياسية المضَادة لها في الداخل و الخارج منذ ثلاثة و عشرون عاما عبرت تلك الا مواج و هدأ البحر وتنفست الصعداء بهذا الانتصار لكنها اليوم لم تواجه موجه عالية لقد فقدت طرق النجاة و ليس هنالك من يقضي عمره سباحتا دون ان يغرق. بالأمس خسرت الايرانيون الداعمون في الداخل. و اليوم خسرت الإروبيون الداعمون الوحيدون في الخارج. و عليه فاما ان تفتح ابوابها لرياح التغيير و التنازلات و اما ان تبقى جزيرة معزولة تحيط بها المخاطر من كل مكان. و لابد من يوم يأتي يظعف فيه الخائف خوفه و سيرحل تاركاَ مكانه للآخرين.
منصور الاحوازي ابو شاكر
بريطانيا