الإرادة في استخدام القوة والقدرة

د. حسن طوالبه/باحث من الأردن

تحدث الكتاب والباحثون والسياسيون عن القوة، وظهرت نظريات واقعية تتحدث عن القوة في المجالين العسكري والسياسي. وقد سبق لصاحب النظرية الواقعية (مورجنتاو) أن وصف السياسة بأنها "صراع على القوة". وعندما يذكر مصطلح القوة يتبادر إلى الذهن أنه يعني القوة العسكرية. وهذا صحيح في كثير من الأحوال، لأن أساس النظرة إلى القوة كانت -وما زالت- تعني القوة العسكرية. وقليل من الباحثين ميزوا بين القوة والقدرة، بل حصل خلط واضح بين مصطلحي القوة والقدرة، وحلّ أحدهما محل الآخر في مواقع كثيرة في رسم الخطط والاستراتيجيات.

ماذا يعني مصطلح القوة؟

عرّف (لسان العرب) القوة بأنها "الخصلة الواحدة من الحبل". وقيل هي "الطاقة الواحدة من طاقات الحبل أو الوتر". عليه فالقوة تعني "مجموعة عوامل القوة العضلية والقوة الذهنية، والقوة العسكرية والقوة الاقتصادية".

وتعني القوة في الإسلام: قوة الحق، وقوة الإرادة والمعنويات، وقوة النفس والسيطرة على نوازعها.

وماذا يعني مصطلح القدرة؟

وعرّف (لسان العرب) القدرة من لفظ القدير والقادر، وهي من صفات الله تعالى لقوله ((ان الله على كل شيء قدير)) (المائدة 17). وقوله تعالى ((تبارك الذي بيده كل شيء وهو على كل شيء قدير)) (تبارك 1).

التداخل بين المصطلحين:

مما تقدم يبدو التداخل بين المصطلحين، ولكن البعض ميز بينهما وخلط بعض آخر بينهما. وعليه فالقوة تعرف بدلالة القدرة على الآتيان بأفعال مؤثرة. فقوة الدولة لا تظهر الا من خلال قدرتها بالتأثير في غيرها من الدول. وقدرة الدولة تكمن في فرض إرادتها على دول أخريات اقل منها قدرة أو موازية لها. ونشهد عبر مراحل التاريخ بروز دول تفرض إرادتها على الآخرين من خلال قوتها المتكاملة. فالقوة في نظر أصحاب النظرية الواقعية تعني الإكراه، أي إكراه الآخرين على فعل شيء لا يريدونه، او فعل شيء يضر بمصالح بلادهم الوطنية.

ولكن لا بد من التمييز بين قوة الدولة بكل عواملها، وبين قدرتها على وضع هذه العوامل موضع التطبيق العملي والفعلي في ظروف معينة لتحقيق أهداف محددة. وقد خلط البعض بين القوة والقدرة، مثل أصحاب المدرسة الإنجليزية الذين يرون أن القدرة هي القوة التي تتاح لحكومة ما، كي تستخدمها في سياستها الخارجية، أو لتأمين ما تريده لدى غيرها من الحكومات. فالقوة في رأي أصحاب هذه المدرسة لا تعدو اكثر من مجموعة العوامل المشكل لقدرة الدولة.

ويتضح الخلط بين المصطلحين إذا أعطى كل مصطلح دلالة الآخر ومفهومه. وقد عرّف الفيلسوف الإنجليزي (هوبز) القوة: "بأنها كل ما لدى الرجل للحصول على منفعة ظاهرة في المستقبل". وعرّفها (موديلسكي): "بأنها استخدام الوسائل المتوفرة لدى الدولة من اجل الحصول على سلوك ترغب في أن تتبعه دولة أخرى". وعرّفها (نيكولاس سبيكمان): "بأنها القدرة على الحرب".

ونعرّف المصطلحين بما يأتي:

القوة: "مجموعة الوسائل والطاقات والإمكانات المادية وغير المادية، المنظورة وغير المنظورة، التي بحوزة الدولة، يستخدمها صانع القرار في فعل مؤثر، يحقق مصالح الدولة، ويؤثر في سلوك الآخرين".

القدرة: "هي محصلة استثمار عوامل القوة المادية والمعنوية من صانع القرار، الذي يملك إرادة قوية. وعقلا راجحا، وفكرا نيرا، وإيمانا راسخا بالمبادىء التي يسعى إلى تحقيقها، وتحويلها إلى فعل مؤثر، يمكن من خلاله تحقيق مصالح الأمة وحسم الصراع مع الطرف المقابل لصالحها".

تحقيق الموازنة بين القوة والقدرة

عندما تجتمع عوامل القوة والقدرة، فإن الفعل "السلوك" سيكون اكثر تأثيرا في الطرف المقابل. ولكن عندما لا تتحقق الموازنة بينهما فان الفعل يكون اقل تأثيرا. ان الذي يحقق التوازن في استخدام القوة والقدرة هو "صانع القرار" أي القائد الذي يملك إرادة حرة مستقلة، يتسم بكل سمات القيادة التاريخية، المرتكزة إلى تاريخ مجيد وتراث عريق، ومقومات القوة المادية والمعنوية، مثل هذا القائد لا يرضخ لأحداث الواقع، بل يتعامل معها بإرادة المؤمنين بالله وبالمبادىء، ويسخر كل ممكنات البلاد لتحقيق مصلحة الشعب والأمة.

فالأساس في هذا المنهج المتوازن هو أن ينطلق القادة المخططون والمنفذون من إمكانية تحويل الخصائص السلبية إلى خصائص إيجابية لصالح الهدف والنتيجة. فالقادة الميدانيون في الوزارات والدوائر والقادة الميدانيون العسكريون هم الذين يستوعبون إمكانياتهم الواقعية وهي عوامل القوة المادية التي يملكونها مهما كانت بسيطة، ويستخدمونها استخداما عقلانيا من غير ان يعطّل أي منها، المجال الذي تستخدم فيه الإمكانات الأخرى أو يضعف تأثيرها.

أن التعمق في هذه الفكرة تفيد أن النجاح يكمن في اقتران القدرة بالإرادة الواعية الحرة وقرنها بالحصانة المبدئية العقلانية والإيمان والهداية. فالاهتداء إلى كل هذه المعاني يطرد حالة الضعف من النفوس. أما الجهل بها فيقود إلى الجهل بوجود القدرة استحضارا وتنمية وفعلا. فمفهوم القدرة له صلة بالإيمان، وكيفية استخدام العقل والذكاء والبصيرة، إضافة إلى توظيف عوامل القوة في مواجهة القوى الغاشمة العمياء. فالعقل والإرادة والإيمان هي رصيد القائد، ومن يتحلى بهذه السمات يصبح قادرا على الفعل المؤثر والتأثير في الآخر.

أين العرب من الفعل المؤثر؟

إذا كان الباحثون قد حددوا مصادر القوة بعوامل الجغرافيا والسكان والموارد الطبيعية والمقدرة الصناعية، والخصائص القومية والمعنويات. فإن هذه العوامل جميعها موجودة في وطننا العربي. ومع ذلك فان هذا الوطن يوصف بالضعف في شتى المجالات. ورغم غناه في الأرض والمياه فان حوالي 70 مليون فرد يعيشون تحت خط الفقر، إضافة إلى أرقام البطالة المخيفة.

الوطن العربي يقع في قلب العالم القديم، وله موقع جيوبولتيكي واستراتيجي متميز في قلب العالم، ويملك من الموارد المادية ما يكفي لثلاثة أضعاف سكانه الحاليين الذين يتجاوز عددهم 370 مليون فرد. وفيه طاقات بشرية فنية وعلمية وتقنية متميزة. أي أن العرب يملكون الممكنات المادية، أي القوة المادية. كما انهم يملكون ممكنات القوة المعنوية، أي أن غالبيتهم ينتمون إلى قومية عربية، ولديهم ثقافة قومية عريقة يؤمن بها جميع الأفراد بكل أديانهم وطوائفهم. ومع ذلك فما الذي جعلهم ضعفاء، وصاروا تحت هيمنة القوى الخارجية؟

لقد شخصت الدراسات والبحوث علة العرب في فقدان الإرادة الحرة القادرة على تحويل ممكنات القوة المادية والمعنوية إلى قدرة مؤثرة في الآخرين، وقدرة تمكّن الأمة من مجابهة التحديات الخارجية والداخلية.

وإذا كان قياس القوة المادية صعبا، فإن قياس القوة المعنوية اكثر صعوبة، وهنا تكمن أهمية القدرة في توظيف عوامل القوة المادية والمعنوية في صالح الأمة والشعب وصالح القضايا الوطنية والقومية. وتتباين عناصر القوة المعنوية من شعب إلى آخر تبعا لعدد من العوامل، أبرزها التماسك الاجتماعي، والوحدة الوطنية، والتاريخ والتراث الذي يجمع بين أبناء الشعب.

واستنهاض عوامل القوة المعنوية تقع على عاتق مؤسسات الدولة وقوى المجتمع المدني والأحزاب. وعندما تجتمع مقومات القوة المعنوية لدى شعب صغير فأنه يصبح نموذجا في التحدي والإبداع والخلق، وخلق مستقبل واعد للأجيال المقبلة. فالإرادة التي يتمتع بها صانع القرار، أي القائد، هي التي تمكنه من استحضار مقومات القوة المادية في اللحظة المناسبة وتحويلها إلى قدرة مؤثرة في أبناء الشعب وفي الآخرين، وعندما تغيب الإرادة، تضيع معها كل ممكنات القوة المادية والمعنوية.