صدام الحضارات و تشكل العالم الجديد(الجزء3)

اضمحلال الغرب

 

كثيرا من المتأثرين بالحضارة الغربية يعددون اوجه كثيرة لتقدم  هذه الحضارة التي يعتبرونها المسيطرة على العالم اليوم بدأ من السيطرة العسكرية المطلقة مرورا بصناعة السلاح المتقدم و تكنولوجيا إنتاجها و الوصول إلى الفضاء و صناعة الفضاء إجمالا و إلى  السيطرة على المياه المفتوحة و الاتصالات و صناعة الخبر  ولكن هناك صورة أخرى للغرب و هي صورة الحضارة التي على حافة الاضمحلال و الاندثار في نواح كثيرة منها ظهور قوى عسكرية جديدة مثل الهند أو الصين و حتى  اقتصاديا فمعدلات الناتج المحلي لدول شرق أسيا كانت اكبر من مثيلاتها الغربية و أصبحت شركات متعددة الجنسيات هي المسيطرة على قطاعات اقتصادية كبيرة  في الغرب يعتقد هانينغتون إن في الربع الأول من هذه القرن سيفقد الغرب الكثير من تقدمه المزعوم

 

الخصائص الأساسية لاضمحلال الغرب

 

يعدد هانينغتون اوجه عديدة  لاضمحلال الغرب  منها أولا إن هذا الاضمحلال بطئ فالغرب استغرق 400 عام ليصل إلى ما هو عليه ألان فلن ينهار بسرعة ولكن عند نقطة ما من الممكن إن يكون هذا الانهيار سريعا كانهيار الاتحاد السوفيتي, ثانيا  الانهيار لن يكون منظما و تجلت هذه الخاصية بأحسن صورها بانتقال مركز الثقل للحضارة الأوروبية من أوروبا إلى أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية وأصبحت أوروبا هي الهامش بعد أن كانت هي المركز , ثالثا القوة, لإظهار القوة العسكرية و الاقتصادية تحتاج الدول إلى المنابع,  إن حصة الغرب من كل موارد القوة الهامة  قد وصلت ذروتها في القرن العشرين و بدا من نهاية القرن بدأت هذه  الموارد  في الانخفاض نسبتا إلى ما لدى الدول الأخرى

الإقليم و السكان

 

لعل أهم ما يعدده هانينغتون من أسباب  على بدأ اضمحلال الحضارة الغربية هي الإقليم و السكان ففي عام 1920 كان الغرب يسيطر و بشكل مباشر على ما 25.5 مليون ميل مربع من مساحة اليابسة و هي نصف مساحة اليابسة التي  تقدر ب 52.5 مليون ميل مربع هو كل مساحة الكرة الأرضية ولكن في عام 1993 إذا حسبنا استراليا و نيوزيلندا و أوروبا الغربية و أمريكا الشمالية فأن هذه المساحة لا تتجاوز 12.5 مليون ميل مربع و هي تقريبا نصف المساحة التي كان يسيطر عليها الغرب في بداية القرن بالمقابل كانت الأراضي الإسلامية المستقلة لا تجاوز أل 1.8 مليون ميل مربع في بداية القرن  لترتفع إلى 12 مليون ميل مربع في عام 1993 و كما أوضحنا  في الجزء السابق سيرتفع عدد المسلمين إلى 30% في عام 2025 في مقابل انخفاض عدد السكان المتوقع في  العالم الغربي لنفس الفترة , لقد تراجع  الغرب من الناحية الجغرافيا و الديموغرفيا إلى المرتبة الرابعة بعد الصين و الإسلام و الهند , و لقد ارتفعت نسبة التعليم لدى الشعوب الأخرى الغير غربية و ازداد معه الوعي ففي عام 1953 عندما كان اقل من 15% من الإيرانيين يعرفون القراءة و الكتابة و اقل من 17%  يعيشون بالمدن لم تجد وكالة الاستخبارات الأمريكية صعوبة في إخماد ثورة مصدق ولكن في عام 1979 عندما ارتفع نسبة المتعلمين إلى 50% و عدد سكان المدن إلى 47% لم تستطع حتى القوة العسكرية الأمريكية في إبقاء الشاه على عرشه لقد ارتفعت نسبة التعليم بين 60 إلى 74% بين أسيا و أفريقيا بعد إن كانت هذه النسبة دون أل 25% في عام 1950 و انخفض أيضا الناتج الاقتصادي الغربي ففي عام 1928 كان هذا الرقم 84% و انخفض إلي 49% في الثمانينيات من القرن الماضي و هو مرشح للتراجع إلى دون أل 30% في عام 2013 إن 5 من  سبعة اكبر البلدان ذات الناتج الاقتصادي في نهاية القرن الماضي كانت من خارج المنظومة الغربية و هي اليابان و الصين و الهند و روسيا و البرازيل

 

القوة العسكرية

 

نعم الغرب متقدم عسكريا على بقية العالم كما يقول هانينغتون ولكنه يعتقد إن هذا التفوق تكنولوجي فقط و حتى هذه النقطة اصبح الغرب مهددا بها بفعل تطور و نقل التكنولوجيا صناعة السلاح إلى الدول خارج المنظومة الغربية و ثم هناك أبعاد أخرى لأي تفوق عسكري تراجع الغرب فيها بشدة و هي الكمية (الأفراد و العتاد) الموارد والتنظيم (تدريب و معنويات الجنود و فعالية القيادة) و الاجتماعية(القدرة و الرغبة و دعم رأي العام)و الأهم من كل هذا إن الغرب كان يبنى قدرته العسكرية لمقابلة الاتحاد السوفييتي و بعد انهياره لم توجد دولة لديها نفس القدرة, إن القدرات العسكرية لشرق أسيا أخذة في الازدياد و منها القدرة النووية فدول كثيرة اصبح لديها هذا السلاح منها الصين و الهند و باكستان و دول تخطط للحصول على هذه القدرة مثل كوريا الشمالية و إيران

إن بعض الحروب المستقبلية ستكون فكرية و عقائدية و الجيوش الغربية لم تصمم لمواجهة هذه الحروب

 

العودة إلى الأصالة

 

فرض الهيمنة الثقافية كما أسلفنا سابقا كان يعتمد على القوة العسكرية فحضارة عالمية تحتاج إلى قوة عالمية فهناك ترابط  و تلازم بين الثقافة و القوة

 بحسب هانينغتون  هناك نوعان من القوة أولا الجافة  بأن تقوم باستخدام القوة العسكرية أو الاقتصادية  لحمل الآخرين على فعل ما تريد  ثانيا القوة اللينة و هي حمل الآخرين على عمل ما تريد من خلال الثقافة و الأيديولوجيا فكلما كانت القوة اللينة جذابة و مقبولة تجد الآخرين سيكونون راغبين في تقصى أثرك و السير على نهجك اكثر من القوة الجافة  ولكن يبقى السؤال و هو كيف نجعل القوة اللينة جذابة؟؟؟؟ الإجابة ببساطة هي الرخاء المادي و النجاح الاجتماعي و هو ما يجذب العقول المهاجرة من العالم الثالث إلى الغرب , إن القوة الجافة قد تولد شعورا كاذبا بوجود هذا الرخاء و النجاح كما في الاتحاد السوفييتي سابقا أما تدهوره فقد يؤدي إلى التشكك بالذات و أزمة هوية لدى الشعوب بالنتيجة  كلما تحسنت الأوضاع الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية للدول الغير غربية كلما ازداد تمسكها بقيمها و ثقافتها

ستأفل الحضارة الغربية بقدر ما تضعف  قوتها  مستقبلا و عندما يفقد الغرب القدرة على تقديم الأجوبة للمجتمعات البشرية الحديثة سيظهر في تلك المجتمعات قيادات حتى ولو إنها تربت في الغرب إن تحاول العودة إلى الذات و الأصل في البحث عن الأجوبة ,محمد على جناح و هاري لي و سالومون باندرنايكا هم ثلاثة أمثلة لهذا التوجه, الثلاثة كانوا خريجين لجامعة اكسفورد في فترات متفاوتة و فمحمد علي جناح العلماني في حزب المؤتمر الهندي عند استقلال باكستان تحول إلى مصلح اجتماعي إسلامي و أسس جمهورية باكستان الإسلامية  هاري لي المسيحي تحول ألي البوذية و غير اسمه إلى لي كوان نيو و تعلم الماندرينية و أسس مع رفاقه سنغافورة الحديثة سالومون باندرنايكا البريطاني النشأة تحول من المسيحية إلى السينهالية و ترك الحزب الديموقراطي المسيحي السريلانكى و أسس الحزب الوطني السينهالي الذي قاد السيلان جيلان من عائلة حتى بعد وفاته  انهم أبدا لم يحاولوا إن ينقلوا أي صورة من صور الحضارة الغربية التي عاشوها إلى بلدانهم  انهم مستعدين حتى لتغيير أسمائهم و معتقداتهم لتتماشى مع قيمهم الحضارية و الثقافية ..إن الاتجاه  اتاتوركي في قبول القيم الغربية  قد اختفي إلى غير رجعة و اصبح الهجوم على القيم الغربية أمرا مشروع و أصبحت الأحزاب التي تنادى بالقيم الثقافية الغربية في خارج منظومة الدول الغربية مغتربة في مجتمعاتها و  ينظر إليها على إنها خلايا سرطانية و مرفوضة 

 

الانتقام الإلهي

في النصف الأول من القرن الماضي افترضت الصفوة الحاكمة في اكثر دول العالم خارج الإطار الغربي إن التحديث و التطور سيؤديان إلى تلاشي الدين كعنصر فكانت العلمانية هي الشعار المركزي للحركات الاتاتوركية .ولكن بدأ من النصف الثاني للقرن العشرين أثبتت هذه الدعوة فشلها و اصبح فشل الأفكار الغربية تنسب إلى الابتعاد عن الله و اصبح العالم يتجه إلى تكييف الأفكار مع الدين و ليس تكييف الدين مع الأفكار فاصبح الشعار هو كنيسة  إنجيلية جديدة و أسلمة التحديث و ليس تحديث الإسلام و من هنا ظهرت حركات متطرفة في كل الديانات بدا من المسيحية و الإسلام و اليهودية و الأرثوذكسية و حتى الكونفيشيوسية و البوذية فشهدت كل الديانات بدون استثناء انبعاثا جديدا و ولدت فيها حركات متطرفة ألت على نفسها إلا تطهير ذاتها من الأفكار الغربية

في عام 1994 اتخذ 30% من الروس في الاتحاد السوفييتي السابق من المسيحية الأرثوذكسية ديانتا بعد الإلحاد و في موسكو وحدها ارتفع عدد الكنائس من 55 في 1988 إلى 250 في عام 1993 و هذا الرقم في ارتفاع سنويا و مشاهدة رجال الدين المسيحيين أصبحت  منظرا مألوفا في شوارع موسكو و في  الدول التي استقلت من الاتحاد السوفييتي السابق أيضا بعث الإسلام من جديد في عام 1989 كان هناك اقل من 160 مسجدا و مدرسة إسلامية في كل تلك الجمهوريات و ارتفع هذا الرقم إلى 10000 مسجد و مدرسة . إن الانبعاث الديني كان ردا علي العلمانية و النسبية الأخلاقية التي روج لها الغرب إن الجماعات الدينية قد استجابت للحاجات الاجتماعية التي أهملتها بيروقراطيات الدول. و إذا لم تستطع هذه الجماعات أو الأفكار الدينية إن تسد  فراغا من هذا النوع  تتحرك جماعات دينية أخرى لتسد هذا الفراغ  فكوريا الجنوبية البوذية تاريخيا و التي كان عدد المسيحيين فيها لا يتجاوز 1% في عام 1950غداة  الثورة الصناعية التي حصلت فيها  و مع ازدياد هجرة السكان من القرى إلى المدن  ازداد عدد المسيحيين إلى 30% في عام  1995 و في أمريكا الجنوبية الكاثوليكية عادتا ارتفعت البروتستانتية من 7 ملايين شخص في عام 1960 إلى 50 مليون شخص في عام 1990

 إن انبعاث الأديان في المجتمعات الغير غربية هو اكبر مظاهر رفض الثقافة الغربية و الحداثة المتفسخة المرتبطة بالغرب و القيم الغربية .انه إعلان استقلالية ثقافية عن الغرب , إنها عبارة فخر (( إننا نريد إن نتقدم ولكن لا نريد إن نكون غربيين))

ابو محمد الكعبي

1/1/2005